​”مفيش أي حد هيزهق من جوزه أو مراته، لأن لو اتخانقت مع واحد، عندك أربعة تانيين بيحلوا كل مشاكل الجواز، ولو عايز تعجز بأمان وابنك يشيلك في المستقبل، فمعندكش ابن واحد، أنت عندك عشرة لأن ما حدش عارف دول أطفال مين، والمنطق بتاعك احكمي بيه على نفسك!”.. بهذه العبارات الفجة، وبنبرة واثقة تفيض بالتبجح، أطلت علينا إحدى صانعات المحتوى في فيديو مصور منذ بضعة أيام على منصات السوشيال ميديا، قبل أن يتم إلقاء القبض عليها، وتقوم بنفي الترويج لتلك الأفكار البغيضة؛ التي تبشر بنموذج شاذ ومسخ مشوه اسمته “الزواج الجماعي”، مروجة لاقتران خمسة رجال بخمس نساء مع إباحة المشاعية الجسدية وتبادل المضاجعة.

​ولم تكن هذه الكلمات العابثة مجرد سقطة عابرة لفتاة تلهث خلف بريق الشهرة الزائف، بل كانت طعنة غائرة في صميم السلم المجتمعي، ومحاولة خبيثة لشرعنة الفاحشة، وهدم الغاية الأسمى التي جاء بها الدين الإسلامي الحنيف وصانتها الشرائع السماوية المتمثلة في صون الأنساب وحفظ كرامة النفس البشرية من الخلط والضياع؛ مصداقاً لقوله تعالى في سورة الفرقان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} صَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ.

​والمتأمل بعين الفحص والتحليل لبنية هذا الخطاب المريب، يدرك على الفور أننا لسنا أمام عفوية جوفاء، بل أمام نهج إقناع التوائي شديد الخبث، صِيغ بعناية لاستهداف عقول الشباب الذين يعانون من هشاشة البنية النفسية والمعرفية. وقد تجلى أخطر أبعاد هذا المسلك عبر تعمد الفتاة حشو حديثها بمصطلحات إنجليزية، وحرصها على نطقها بلكنة قوية ومبالغ فيها؛ سعياً لممارسة نوع من الاستعلاء اللغوي الزائف، والإيهام الكاذب بالتحضر والاطلاع والتحرر الفكري. إن هذا التضمين اللغوي يهدف سيكولوجياً إلى صناعة سلطة معرفية وهمية تلجأ إليها لتمرير القبح؛ فمن خلال تغليف الأفكار الفاسقة برداء تغريبي، تحاول تخدير الوعي الفطري للمتلقي، وإشعاره بأن رفضه لهذا المضمون الشاذ ليس دليلاً على تمسكه بالحق والفضيلة، بل هو مجرد انعكاس لرجعيته وعدم مواكبته لروح العصر.

​وينكشف هذا الالتواء الماكر عند تشريح الضلالات الثلاث التي حاولت صانعة المحتوى غرسها في وعي متابعيها؛ أولها التسلل عبر بوابة الملل والروتين الزوجي، وإيهام الشباب بأن الحل عند حدوث أي خلاف أسري طبيعي ليس المواجهة والصبر والتفاهم، بل القفز الفوري إلى أحضان نزوة مشبوهة تأمنها فرضية إباحة فكرة “الزنا الجماعي”، مما يرسخ لمفهوم “العلاقات السيالة”؛ تلك الروابط الهشة التي تستبدل ميثاق الاستقرار بعقلية الاستهلاك، وتجعل من الشريك سلعةً قابلة للتبديل، وتنزع عن الالتزام معناه الوجودي، وتُغرق الفطرة في بحر من العلاقات العابرة التي تفتقر للعمق وتتسم بالخوف الدائم من الارتباط. وثاني تلك المزاعم هو التلاعب الخسيس بغريزة الخوف من المستقبل والوحدة عند الكبر، عبر تقديم اختلاط الأنساب الكارثي الذي يهدم المجتمع في ثوب ميزة اجتماعية تضمن وجود عدد كبير من الأبناء لرعاية الشخص، متجاهلة عمداً أن المشاعر الفطرية للأبوة والبنوة لا يمكن أن تنبت في مستنقع مجهول الهوية.

​أما ثالث الأوهام وأكثرها وقاحة فهو سعيها لزعزعة اليقين بالثوابت الدينية وميعان المنطق الفطري السليم، من خلال محاولتها مساواة القيم الأخلاقية بالخيارات الثقافية الشاذة لبعض المجتمعات البدائية، مدعية أن لكل إنسان منطقه الخاص الذي لا يحق لأحد إدانته، وهو ما يمهد الطريق لخلخلة العقيدة وتطبيع الدناءة والفسوق.

​والواقع عزيزي القارئ أننا أصبحنا نعيش اليوم زمناً تعمل فيه شبكات التواصل العابرة للقارات كمعاول هدم ناعمة، تسعى لتجريف المجتمعات العربية من مكامن قوتها وترابطها الأصيل، حيث تحولت المبادئ والمقدسات بهذا الفضاء المستباح إلى بضاعة رخيصة معروضة في مزاد البيع والشراء من أجل حصد بضع تفاعلات تافهة تدرها خوارزميات المشاهدة.

​ولمواجهة هذا السيل الجارف من الرسائل الهدامة ودحض محاولاتها البائسة، يتعين على النخبة المثقفة والمؤسسات التوعوية بناء خط دفاع حصين مستلهمين أدوات الفلسفة النقدية المعاصرة- لا سيما أطروحات مشابهة لما أبدعه الفيلسوف الألماني “بيونغ تشول هان” حول استراتيجية الاستلاب الرقمي الطوعي- لإجراء جراحة فكرية دقيقة تستهدف تشريح آليات تزييف الفضاء الافتراضي للوعي الجمعي؛ إذ تُغوي المنصات الإنسان بتحويل كينونته الأخلاقية إلى عرض مسرحي مستباح، يخلع خلاله ثوب خصوصيته وقيمه طواعية داخل سوق المشاع الافتراضي، مع زعزعة روابطه الأسرية الموثقة تحصيلاً لنقرات الإعجاب وزيادة المتابعة، مما يحوله من كائن ذي رسالة وفطرة مستقرة إلى مجرد مستهلك مستلب الإرادة، يستعذب انقياده لغرائزه ويراه لوناً من ألوان التحرر.

​وتتلخص محاور المواجهة الشاملة في منهجية تبدأ أولاً بتفعيل الامتناع الواعي من قبل الجماهير؛ إذ إن التفاعل مع هذه المقاطع بالتعليق أو إعادة النشر -ولو بنية الاستنكار والغضب- هو بمثابة الوقود الذي يمنح تلك السموم الانتشار، والوسيلة الأنجح هنا هي الإماتة بالإهمال والدفن تحت ركام التجاهل. وتنتقل ثانياً إلى التحصين المعرفي للأجيال عبر تعزيز أدوات التفكير النقدي لدى الشباب لتمكينهم من إدراك الفوارق الجوهرية بين حرية التعبير وبين الانفلات القيمي المجرد. وختاماً، يأتي الدور الحاسم للردع القانوني والقضائي؛ فالتحرك السريع الصارم للأجهزة المعنية وضبط هؤلاء المتجاوزين يمثل الركيزة الأساسية لحماية المجال العام، ويوجه رسالة حازمة لا مواربة فيها بأن عقيدتنا وثوابتنا وأنسابنا خط أحمر لا يمكن تقويده أو العبث به.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version