في صحراء جنوب سيناء سيناء، حيث يمتد الصمت بلا نهاية، كانت هناك حكايات لا تُروى إلا همسًا، وأبطالٌ يعملون في الظل، لا يبحثون عن مجدٍ ولا ينتظرون تصفيقًا.
هنا، وُلدت قصة الفدائي سليم سالم حسين، ابن قبيلة “القرارشة”، الذي لم يكن مجرد رجل بدوي، بل كان عينًا يقظة للوطن، ترصد وتغامر وتعود بالحقيقة من قلب الخطر.
لم تبدأ الحكاية بطلقة رصاص، بل بعدسة كاميرا. حين كلّفته المخابرات المصرية بمهمة تصوير مواقع الاحتلال الإسرائيلي في سيناء، لم يتردد. تسلل بين الطرق الوعرة، ورصد مطارات العدو في شرم الشيخ وأبورديس، ووثّق ثكناته في وادي فيران. كانت كل صورة يلتقطها، خطوة تقرّب الوطن من النصر، وكل تحرك محسوب بدقة، كأن حياته معلّقة بخيط رفيع.
لكن المشهد الأكثر خطورة لم يكن خلف العدسة، بل أمام الموت مباشرة. في مهمة جريئة لتفجير محطة وقود أبورديس، التي كانت تمد قوات الاحتلال، لفّ المتفجرات حول جسده، وسار نحو هدفه بثبات. وفجأة، ظهر كمين إسرائيلي. لحظة واحدة كانت كفيلة بإنهاء كل شيء.
غير أن سليم لم يكن مجرد فدائي، بل كان صاحب حيلة. اقترب من أحد القادة الإسرائيليين، وأوهمه بامتلاكه معلومات خطيرة يريد الإدلاء بها. ارتبك المشهد، وتبدلت الأدوار؛ من متهم إلى “مصدر معلومات”. حصل على موعد، وعبر دون تفتيش… ليكمل طريقه نحو الهدف.
وبهدوء قاتل، زرع المتفجرات في محطة الوقود، ثم ابتعد. لحظات قليلة، وانفجر المكان، معلنًا نجاح العملية، ومضيفًا صفحة جديدة إلى سجل المقاومة الصامتة.
لكن النهاية لم تكن نجاة كاملة وأُلقي القبض عليه لاحقًا، واقتيد إلى سجون تل أبيب، حيث بدأت فصول أخرى من البطولة؛ أربعة أشهر من التعذيب القاسي، ومحاولات مستميتة لانتزاع اعتراف ومع ذلك، لم ينطق بكلمة واحدة. كان صمته أقسى على جلاديه من أي مقاومة.
استعاد سليم تلك اللحظات قائلًا: «لم أخشَ الموت، وكانت أمنيتي الشهادة في سبيل الوطن». عبارة تختصر حكاية رجلٍ واجه الألم بإيمان، واختار أن يصمد حيث ينهار الآخرون.
وبعد أن يئس الاحتلال من كسر إرادته، جرى ترحيله إلى سجن غزة، حيث خفّ الضغط، قبل أن تنتهي رحلة الأسر، ويعود إلى أرضه التي لم يغادرها يومًا بقلبه.
لم يكن سليم وحده في هذه الحكاية؛ فبدو سيناء، عبر التاريخ، كانوا عيونًا يقظة وسندًا خفيًا للجيش المصري. رجالٌ عرفوا دروب الصحراء كما يعرفون كفوفهم، فحوّلوها إلى ميادين مقاومة، وساهموا في صنع النصر حتى تحقق في حرب أكتوبر، وعادت الأرض لأصحابها.
اليوم، وقد بلغ سليم سالم حسين 95 عامًا، لا يزال شاهدًا حيًا على زمن البطولة يجلس بين أهله، يروي قصصًا لا تُدرّس في الكتب، بل تُحكى بصدق التجربة. حصل على “نوط الواجب” من رئيس



