حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة المقبلة الموافق ٢٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ / ١١ سبتمبر ٢٠٢٦م بجميع مساجد الجمهورية بعنوان: «الإبداع والابتكار في العهد النبوي».
إعمال العقل وإطلاق طاقات التفكير
الإبداع يبدأ من عقلٍ لا يكتفي بتكرار المألوف، وإنما من عقل يتأمل ويسأل، ويبحث عن الأفضل، وقد أقام القرآن الكريم دعوته على إعمال العقل والنظر والتدبر، ودرَّب النبي ﷺ أصحابه على السؤال والمناقشة والاجتهاد.
قال تعالى: ﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ [محمد: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِیرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].
ولم يكتفِ القرآن بإباحة التفكر بل جعله عبادةً وصفةً لأولي الألباب، كما في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ﴾ [الجاثية: ١٣]، وهي آية تدفع الإنسان إلى النظر في الكون، والإبداع في استحداث وسائل الانتفاع بكل ما خلق الله فيه.
ومن أروع النماذج القرآنية للابتكار الهندسي والتقني: قصة ذي القرنين في بناء السد، حين طلب من القوم مواد الصنعة وابتكر طريقة صهر المعادن: ﴿ءَاتُونِی زُبَرَ ٱلۡحَدِیدِۖ … ءَاتُونِیۤ أُفۡرِغۡ عَلَیۡهِ قِطۡرࣰا﴾ [الكهف: ٩٦]، فهذه معالجة تقنية مبتكرة لم تُذكر تفاصيلها إلا بوحي التجربة والعقل الذي أودعه الله فيه.
ومنها صنعة داود عليه السلام: ﴿وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسࣲ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، ﴿وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِیدَ * أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتࣲ وَقَدِّرۡ فِی ٱلسَّرۡدِۖ﴾ [سبأ: ١٠-١١]، أي: اجعل الدروع واسعة، وأحسن تقدير حَلَقها، وهذا توجيهٌ إلى الدقة الحرفية والابتكار في الصناعة الدفاعية.
وقصة سليمان في نقل عرش بلقيس، حيث تبارى أهل مجلسه في اقتراح الحلول، فقال ﴿ٱلَّذِی عِندَهُۥ عِلۡمࣱ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِیكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن یَرۡتَدَّ إِلَیۡكَ طَرۡفُكَۚ﴾ [النمل: ٤٠] وفيها مشهد تنافسي مشروع بين أصحاب الأفكار.
وخطة يوسف -عليه السلام- الاقتصادية، حين سُئل عن تأويل الرؤيا، لم يكتفِ بالتفسير، بل ابتكر خطة تنموية متكاملة لإدارة الأزمة: زراعة سبع سنين متتالية، وترك الحصاد في سنبله لحفظه من التلف، ثم استهلاك مدروس في سنوات الجدب. هذا نموذج قرآني رفيع للتخطيط الابتكاري القائم على اجتهاد بشري لم يرد فيه نص سابق بالتفصيل.
وسفينة نوح: ﴿وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡیُنِنَا وَوَحۡیِنَا﴾ [هود: ٣٧]، وكانت أول سفينة تُصنع، ففيها إرساءُ مبدأ الابتكار التقني حين تدعو الحاجة إليه.
ولما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، قال له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قال: فبسنة رسول الله ﷺ، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرضِي رَسُولَ اللَّهِ». [رواه أبو داود].
وقد اشتهر هذا الحديث في كتب الأصول دالًّا على مشروعية الاجتهاد وإعمال النظر فيما لا نص فيه.
الأساليب التعليمية النبوية المبتكرة
كان النبي ﷺ مُعلِّمًا مبدعًا في وسائل التعليم، كما كان داعيًا إلى الإبداع، ومن أبرز الأساليب النبوية التعليمية:
١- التنويع في طرق العرض: فتارة يعلّم بالقصة، وتارة بضرب المثل الحسي، وتارة بالرسم على الأرض، كما ثبت أنه خطّ خطًا مستقيمًا وخطوطًا صغارًا عن جانبيه ليقرّب معنى الأمل والآجال، والتكرار في التعليم، والتقسيم، وغير ذلك من الوسائل.
٢- إثارة الأسئلة قبل الجواب: لتحريك الأذهان واستنطاق الاجتهاد، وتحفيز الصحابة على استخراج الجواب بأنفسهم.
٣- التدرّج ومراعاة الفروق الفردية: وهو أصل تربوي يفتح الباب لابتكار أساليب متعددة بحسب المخاطَب.
هذه الأساليب في ذاتها دليل عملي على أن الإبداع عند النبي ﷺ لم يكن مجرد كلام نظري، بل كان منهج حياته في التعليم والقيادة.
النبي ﷺ وتبني الأفكار المبتكرة من الصحابة
كان النبي ﷺ يتيح لأصحابه أن يبحثوا عن الوسائل المناسبة، وأن يقدموا الحلول الجديدة التي تحقق المصلحة.
ففي غزوة بدر أشار الحباب بن المنذر رضي الله عنه على النبي ﷺ بموقع آخر لنزول الجيش، حين سأل النبيَّ: «أرأيت هذا المنزلَ، أمنزل أنزلكَهُ اللهُ ليس لنا أن نتقدمَه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟» فقال ﷺ: «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ»، فأشار عليه الحُباب بالمكان الذي رآه أصلح، فأخذ النبي ﷺ برأيه.
ولما اجتمعت الأحزاب لحصار المدينة في غزوة الخندق، أشار سلمان الفارسي -رضي الله عنه- بحفر الخندق، وهي وسيلة دفاعية لم تكن مألوفة عند العرب، فأخذ النبي ﷺ بهذه الفكرة.
وهنا يظهر بوضوح أن الإبداع قد يكون في استيراد فكرة نافعة من تجربة حضارية أخرى، ثم توظيفها بما يناسب الواقع، وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فالآية لم تحدد صورة واحدة للقوة، وإنما فتحت المجال أمام كل ما يستطيع المسلمون إعداده من أسباب القوة في كل عصر، وهذا من أوسع أبواب الاجتهاد الحضاري؛ فوسائل القوة تتغير بتغير الزمان، وتتطور بتطور العلوم والمعارف.
ومشورة أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية: حين تأخر الصحابة عن الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في الحلق والنحر، فأشارت بحلٍّ عملي حكيم، فعمل به النبي ﷺ فزال به الإشكال.
وصناعة المنبر: لمّا اقترحت امرأة من الأنصار أن يُصنع للنبي منبر بدل الوقوف على الجذع، استجاب ﷺ وأمر بصنعه.
واتخاذ خاتم لختم الرسائل: لما قيل للنبي ﷺ إن الملوك لا يقرؤون كتابًا إلا بخاتم، بادر إلى اتخاذ خاتم فضة نُقش عليه “محمد رسول الله”، استجابة عملية سريعة لمقتضى التواصل الدبلوماسي المستحدث.
واتخاذ الكُتّاب، وإرسال الرسل إلى الملوك، ومكاتبة القبائل، وتنظيم الوفود، واختيار السفراء وكلها صور تؤكد مرونة الوسائل وتنوعها بحسب المقام والحاجة.
اكتشاف المواهب واستثمار الطاقات
من أعظم مظاهر التنشئة النبوية أن النبي ﷺ لم يتعامل مع أصحابه على أنهم نسخ متشابهة، بل عرف مواهبهم، وأدرك اختلاف قدراتهم، ووضع كل واحد منهم في المجال الذي يستطيع أن يقدم فيه أفضل ما عنده.
وكان ﷺ يشجّع أصحابه على تنمية مواهبهم وإظهار قدراتهم، ومن ذلك ما ظهر في تلاوة القرآن الكريم، فأثنى النبي ﷺ على قراءة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ». [رواه أحمد].
ويظهر في ذلك تقدير النبي ﷺ لتميز سيدنا ابن مسعود -رضي الله عنه- في قراءة القرآن، وتشجيعه على الاستمرار في موهبته وتنميتها.
ولما سمع النبي ﷺ قراءة أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».
وفي هذا الحديث إشادة بجمال صوت أبي موسى وحسن تلاوته، وتشجيع له على توظيف موهبته في تلاوة القرآن الكريم.
وطلب النبي ﷺ من زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن يتعلم لغة اليهود، فتعلمها في مدة وجيزة، وأصبح يقرأ للنبي ﷺ كتبهم ويكتب لهم، وهذا نموذج بالغ الأهمية في اكتشاف الموهبة اللغوية وتوظيفها لخدمة المجتمع والدعوة.
كما استثمر النبي ﷺ قدرة خالد بن الوليد العسكرية، وبرز خالد في ميادين القيادة والتخطيط العسكري، حتى صار من أبرز قادة المسلمين.
وكان ﷺ يحدد مواطن التميز والكفاءة، فيقول ﷺ عن معاذ بن جبل: «وَأَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» [رواه الترمذي].
ويقول ﷺ عن أبي عبيدة بن الجراح «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» [متفق عليه].
ولا يخفى أن النبي ﷺ ولَّى أسامة بن زيد قيادة جيش مع وجود كبار الصحابة، في رسالة واضحة إلى أن الكفاءة والقدرة يمكن أن تفتح للإنسان أبواب المسؤولية، ولو كان صغير السِّنِّ.
أهمية التعليم والإقبال عليه بوصفه أساس الإبداع
لا إبداع بلا علم، ولا ابتكار بلا تعلم، ولا تقدم بلا عقول تتزود بالمعرفة، فالوحي قد بدأ بكلمة عظيمة: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ﴾ [العلق: ١].
وأكد القرآن أهمية العلم ومكانة أصحابه فقال تعالى: ﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتࣲۚ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال سبحانه: ﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾ [الزمر: ٩]، فالعلم في منظور الإسلام ليس ترفًا، وإنما هو طريق الرفعة، وأداة بناء الإنسان، ومفتاح اكتشاف سنن الكون وتسخيرها في الخير.
وقد جعل النبي ﷺ التعليم مشروعًا مستمرًا، فقال ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعلَّم الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ» [رواه البخاري]، وقال ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [رواه أبو داود]، وهذا يجعل الإقبال على التعلم عبادة وقيمة حضارية في الوقت نفسه.
ومن أبلغ المواقف الدالة على تقدير التعليم أن النبي ﷺ جعل تعليم بعض المسلمين القراءة والكتابة وسيلة لفداء بعض أسرى بدر.
ولم يكن المسجد في عهد النبي ﷺ مكانًا للعبادة فحسب، بل كان مركزًا للتعليم والتربية والتوجيه، وكان النبي ﷺ يعلّم أصحابه فيه ويرعاهم.
ولما طلبت النساء من النبي ﷺ أن يجعل لهن يومًا يتعلمن فيه، استجاب لهن وخصص لهن وقتًا للتعليم.
وهذا يؤكد أن التعليم حق إنساني وحاجة مجتمعية، وأن بناء المجتمع المبدع لا يستثني فئة من التعلم والمعرفة.
وكان الصحابة رضي الله عنهم يتنافسون في التعلم والسؤال، ومن ذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن تعاونه مع جار له من الأنصار في طلب العلم، فكان أحدهما يحضر مجلس النبي ﷺ يومًا، والآخر يحضر في اليوم التالي، ثم يتبادلان ما سمعاه.
كيف نطبق الهدي النبوي في واقعنا المعاصر؟
إذا كان النبي ﷺ قد أنشأ جيلًا يتعلم ويفكر ويبادر ويشاور ويبتكر، فإن الوفاء لهذا الهدي اليوم يكون بتحويله إلى ثقافة وممارسات وصناعة مؤسسات.
في الأسرة: تشجيع الطفل على السؤال بدل إسكات أسئلته، واحترام محاولاته وأفكاره ولو كانت بسيطة، وعدم السخرية من الخطأ، بل تحويل الخطأ إلى فرصة للتعلم، واكتشاف مواهبه مبكرًا وتنميتها.
في المدرسة والجامعة: الانتقال من التعليم القائم على الحفظ وحده إلى التعليم القائم على الفهم والتحليل وحل المشكلات، وتشجيع البحث والتجربة والمشروعات العلمية، وإنشاء مسابقات للابتكار والاختراع، وربط التعليم بقضايا المجتمع وحاجاته.
في المؤسسات: إنشاء بيئة تسمح للموظف باقتراح الحلول، ومكافأة المبادرات الناجحة، والاستفادة من اختلاف الخبرات والتخصصات.
في المجال العلمي والتقني: الاستثمار في البحث العلمي، وتشجيع الشباب على العلوم والتقنية، والاستفادة الواعية من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، وتوجيه الابتكار إلى حل مشكلات الإنسان والمجتمع.
الخطبة الثانية: بداية العام الدراسي الجديد
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰۤؤُا۟ۗ﴾ [فاطر: ٢٨]، وفي هذه الآية يقول حجة الإسلام الغزالي: “فانظر كيف بدأ سبحانه بنفسه، وثنى بالملائكة، وَثَلَّثَ بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفًا وفضلًا وجلاء ونبلًا…، العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأبرار، والدرجات العُلَى، والتفكر فيه يُعْدَلُ بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الله، وبه يعبد وبه يوحد وبه يمجد، وبه يُتَوَرَّعُ، وبه تُوصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام، والعمل تابعه، يُلْهَمُهُ السعداء، ويُحْرَمه الأشقياء” [إحياء علوم الدين].
ويقول تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا﴾ [طه: ١١٤]، قال سفيان بن عُيَيْنَة: “ولم يزل ﷺ في زيادة من العلم حتى توفاه الله” [تفسير القرآن العظيم]، وقال الزمخشري: “متضمن للتواضع لله، والشكر له عند ما علم من ترتيب التعلم، أي: علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم، وأدبًا جميلا ما كان عندي، فزدني علمًا إلى علم، فإنًّ لك في كل شيء حكمة وعلما. وقيل: ما أمر الله رسوله ﷺ بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم”. [الكشاف عن حقائق التنزيل].
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ ﷺ: «إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ، وَاسْمَعْ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ» [رواه الطبراني].
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: فِي دُبُرِ الْفَجْرِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا» [رواه ابن ماجه].
نصائح لأولياء الأمور
أولًا: اكتشف مواهب طفلك، وارعها، واصقلها بالتدريب، ولا تجعل الظروف تعوقك: فقد حفلت كتب “التراجم والسِّيَر” بالحديث عن ظهور ثلة مباركة من العلماء نبغوا في سن مبكرة:
(أ) الإمام مالك بن أنس: قال الذهبي: “طلب مالك العلم وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وحدَّث عنه جماعة وهو شاب طري” [سير أعلام النبلاء].
(ب) الإمام الشافعي: قَالَ: “حفظت القرآن، وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ، وأنا ابن عشر سنين، وما أفتيت حتى حفظت عشرة آلاف حديث…، وأفتى وله خمس عشرة سنة” [المنتظم في تاريخ الأمم والملوك].
نشأ الشافعي فقيرًا لا مال له، ومع ذلك لم يمنعه فقره من النبوغ، وبات “مجدِّدًا” على رأس المئة الثالثة للهجرة:
قال الإمام الشافعي: “كنت يتيمًا في حِجر أمي، ولم يكن لها ما تعطيني للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب، وأخفف عنه” [سير أعلام النبلاء].
(ج) الإمام البخاري: سأله محمد بن أبي حاتم الورَّاق: “كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: أُلهِمْتُ حفظَ الحديث وأنا في الكُتَّاب؛ قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل” [تاريخ بغداد].
لم يكن النبوغ في الصغر مقتصرًا على علماء الشريعة فحسب، بل كان في الأطباء والفلاسفة، ومن هؤلاء: الشيخ الرئيس “ابن سينا”: قال: “وأكملت العشر من العمر، وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب حتى كان يُقضى مني العجب…، ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي، وأطالع الشروح حتى أحكمت “علم المنطق”، ثم رغبت في علم الطب، وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه، فلا جَرَمَ أني برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرؤون عليَّ “علم الطب”، وتعهدت المرضى، فانفتح عليَّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك اختلف إلى الفقه، وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء “سِت عشرة سنة” ثم توفرت على العلم والقراءة سنةً ونصفا، فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة”،- بل علت همته للاطلاع على سائر العلوم- حيث قال: “وأتيت على سائر العلوم، ولي إذْ ذاك إحدى وعشرون سنة من عمري” [عيون الأنباء في طبقات الأطباء].
ثانيًا: احتسب تعبك ومالك على أولادك عند الله تعالى: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» [رواه مسلم].


