واصل قداسة البابا لاون الرابع عشر، سلسلة تعاليمه خلال المقابلة العامة الأسبوعية، بساحة القديس بطرس، متناولًا موضوع “الجماعة البشرية”، في إطار تأملاته حول الفصل الثاني من الدستور الرعوي للمجمع الفاتيكاني الثاني “فرح ورجاء”.

وأوضح الحبر الأعظم أن تزايد العلاقات بين البشر يُعد من أبرز سمات عالم اليوم، مؤكدًا أن هذه العلاقات لا تكتمل بمجرد التواصل، بل ينبغي أن تتحول إلى جماعة من الأشخاص، تقوم على الاحترام المتبادل للكرامة الكاملة لكل إنسان.

وأشار الأب الأقدس إلى أن التطور التكنولوجي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي، أتاح إمكانات جديدة للتقارب، وتجاوز المسافات، والحواجز، لكنه حذّر في الوقت نفسه من خطر تحوّل العلاقات إلى تواصل افتراضي يفتقر إلى البعد الشخصي، ومن تفويض الخوارزميات باتخاذ قرارات ينبغي أن تظل في نطاق مسؤولية الضمير البشري.

وأكد بابا الكنيسة الكاثوليكية أن رسالة الجماعة المسيحية تتمثل في إعطاء العلاقات الاجتماعية مضمونًا حقيقيًا، وعمقًا إنسانيًا، انطلاقًا من قصد الله الذي أراد البشرية كلها “عائلة واحدة”، يعيش أفرادها كإخوة.

وشدد قداسة البابا على أن نمو الإنسان، واكتمال شخصيته، وتطور المجتمع أمور مترابطة، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الحياة الاجتماعية، وهو في الوقت نفسه أساس المؤسسات الاجتماعية، وغايتها.

وتوقف الأب الأقدس عند قيمة التنوع بين الأشخاص، والشعوب، موضحًا أن الاختلاف لا يمثل تهديدًا، بل يمكن أن يكون مصدرًا للإغناء، والنمو. أما النزاعات، والعنف، فترتبط بآثار الخطيئة التي تفسد العلاقات الإنسانية، داعيًا إلى تبنّي منطق التبادلية، والمشاركة، والعناية بالآخر، مشيرًا إلى أن الخير العام هو مجموع الظروف الاجتماعية التي تتيح للأفراد، والجماعات تحقيق نموهم بصورة أكمل وأسرع، مع مراعاة خير الآخرين، والعائلة البشرية بأسرها.

وأشار بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى عدد من النتائج العملية التي يطرحها الدستور الرعوي “فرح ورجاء” وفي مقدمتها: احترام الحياة، وكرامة الإنسان، وسلامته، ورفض كل أشكال القتل، والتعذيب، والاستعباد، والاتجار بالبشر، إلى جانب رفض الظروف المعيشية غير الإنسانية، والمهينة.

كذلك، شدد قداسة البابا على أهمية احترام الخصوم، ومحبة المختلفين، والتأكيد على المساواة الأساسية بين جميع البشر، والعمل على القضاء على مختلف أشكال التمييز، مؤكدًا ضرورة تجاوز الفردية، والانفتاح على المسؤولية، والمشاركة في خدمة المجتمع.

وأكد عظيم الأحبار أن النظر إلى البشرية، باعتبارها جماعة من الأشخاص، يمثل إحدى الهبات المهمة التي قدمها المجمع الفاتيكاني الثاني، إذ يتيح تقييم مختلف المشاريع الاجتماعية، والسياسية في ضوء كرامة الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والمشاركة الحرة في بناء الخير العام.

وفي الختام، قال قداسة البابا لاون الرابع عشر: أن مستقبل البشرية يرتبط بقدرة كل إنسان على التعاون مع الله، ومع إخوته في بناء عالم أكثر إنسانية، تكون فيه العلاقات القائمة على الكرامة، والتضامن، والمشاركة أساسًا للحياة المشتركة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version