يشهد سوق السيارات في الولايات المتحدة تحولا لافتا مع اختفاء السيارات الجديدة منخفضة السعر، في دلالة واضحة على تفاقم أزمة القدرة على الشراء واتساع الفجوة بين شرائح المستهلكين، فبعد أن كانت هناك عدة طرازات يقل سعرها عن 20 ألف دولار قبل عام واحد فقط، لم يعد اليوم أي موديل جديد يطرح دون هذا الحد السعري.
وتكشف أحدث البيانات أن متوسط سعر السيارة الجديدة واصل الارتفاع ليصل في نهاية عام 2025 إلى مستوى قياسي تجاوز 50 ألف دولار، وهو ما يعكس ضغوطا متزايدة على المشترين، خصوصا من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، هذا الارتفاع لم يعد استثناء، بل أصبح واقعا مستقرا في السوق، حيث باتت غالبية السيارات الجديدة تُصنَّف فعليًا كسلع مرتفعة التكلفة.
ويمثل خروج آخر الطرازات الاقتصادية من خطوط الإنتاج نقطة فاصلة في هذا التحول، بعدما كانت هذه السيارات تمثل بوابة الدخول الأساسية لعدد كبير من المستهلكين إلى سوق السيارات الجديدة، ومع اختفائها أصبح امتلاك سيارة جديدة أكثر صعوبة، ما يعمق أزمة القدرة على الشراء ويحد من الخيارات المتاحة أمام شرائح واسعة من المجتمع.
ويرى محللون أن هذا الوضع يعكس ما يعرف بـ«اقتصاد حرف K»، حيث تواصل الفئات الأعلى دخلا الإنفاق دون تأثر يذكر، مدعومة بازدهار مبيعات السيارات الأعلى سعرا، بينما تتراجع قدرة الفئات الأقل دخلا على مجاراة الأسعار المتصاعدة، ويؤكد خبراء أن اضطرابات سلاسل الإمداد منذ جائحة كورونا أعادت تشكيل سوق السيارات، ودفعت الأسعار إلى مستويات لم تعد مؤقتة، بل تحولت إلى ما يشبه «الخط الأساسي الجديد».
كما أسهمت الرسوم الجمركية المرتفعة على السيارات وقطع الغيار المستوردة في زيادة تكاليف الإنتاج، وهو ما جعل الطرازات منخفضة الربحية أكثر عرضة للإلغاء، مقارنة بالسيارات الأعلى سعرًا التي تمنح الشركات هوامش ربح أفضل.
وفي ظل هذا المشهد، يتجه عدد متزايد من المستهلكين إلى سوق السيارات المستعملة أو يضطرون للاحتفاظ بسياراتهم لفترات أطول. غير أن غياب القدرة على شراء سيارة من الأساس يظل تحديا أكبر، خاصة في المناطق التي تعتمد بشكل شبه كامل على النقل الخاص، ما يجعل أزمة السيارات في الولايات المتحدة أزمة معيشية تتجاوز حدود السوق إلى نمط الحياة نفسه.


