قال المهندس سامح بسيوني، رئيس الهيئة العليا لـ حزب النور: إن جريمة بورسعيد الأخيرة، التي نُفذ فيها حكم الإعدام بحق المتهمة الرئيسية بقتل والدتها، أعادت إلى الواجهة إشكالية شرعية وقانونية ومجتمعية لا ينبغي أن تمر دون نظر وتأمل، لا سيما أنها سبقتها وقائع مشابهة تورط فيها أحداث لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر في جرائم قتل عمد أو جرائم جسيمة اتسمت بالتخطيط والترصد والإدراك الكامل لعواقب الأفعال.
وأضاف “بسيوني” أن وقائع القضية المتداولة أظهرت أن شريك المتهمة كان دون الثامنة عشرة من عمره وقت ارتكاب الجريمة، وكانت له علاقة محرمة بالمجني عليها، كما شارك في التخطيط والتنفيذ لجريمة قتل عمد سبقها اتفاق وترصد، ورغم ذلك لم يُعامل قانونًا بوصفه بالغًا مسؤولًا مسؤولية جنائية كاملة، وإنما خضع لأحكام قانون الأحداث باعتباره طفلًا لمجرد أنه لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.
مدى استمرار صلاحية اعتبار سن الثامنة عشرة حدًا
وأوضح أن ذلك يثير تساؤلًا مشروعًا حول مدى استمرار صلاحية اعتبار سن الثامنة عشرة حدًا فاصلًا للطفولة بصورة مطلقة، ومدى قدرة هذا المعيار على تحقيق العدالة، وحفظ أمن المجتمع، والتعبير الحقيقي عن مستوى النضج والإدراك لدى الإنسان.
وقائع أثارت الرأي العام
وأشار “بسيوني” إلى أن أهمية هذا النقاش لا ترتبط بواقعة بعينها، وإنما تنبع من تكرار جرائم بالغة الخطورة ارتكبها أشخاص لم يبلغوا هذه السن القانونية، مشددًا على أن الأمر لم يعد مقتصرًا على جرائم القتل العمد، بل شمل وقائع أثارت الرأي العام، مثل: قتل طفل الإسماعيلية بالمنشار التي اتسمت بقدر كبير من العنف والقسوة، فضلًا عن جرائم الاعتداء على الأعراض والانحرافات الأخلاقية الخطيرة، ومنها واقعة زنا شاب الشرقية بـ45 امرأة وفتاة، وغيرها من الجرائم التي تكشف عن مستوى من الإدراك والقصد والتخطيط يصعب معه اعتبار مرتكبيها أطفالًا بالمعنى الذي يفترض عدم اكتمال التمييز أو تحمل المسؤولية.
معيار المسؤولية الجنائية ذاته
وأكد أن الهدف من إثارة هذه القضية ليس تحريك المشاعر بسبب حادثة معينة، وإنما فتح ملف يتعلق بالمرجعية التي تُبنى عليها التشريعات ومعيار المسؤولية الجنائية ذاته، ومدى اتساقه مع أحكام الشريعة الإسلامية ومتطلبات العدالة وحقائق الواقع المعاصر، خاصة في ظل التطور الهائل في وسائل المعرفة والتواصل، وما أصبح يتمتع به كثير من المراهقين من قدرات عقلية وإدراكية تجعلهم أكثر وعيًا بطبيعة أفعالهم ونتائجها مقارنة بأقرانهم في أزمنة سابقة.
الشريعة الإسلامية أقامت المسؤولية والتكليف
وبيّن “بسيوني” أن الشريعة الإسلامية أقامت المسؤولية والتكليف على مبدأ واضح يتمثل في البلوغ المعتبر شرعًا مع سلامة العقل والإدراك، مؤكدًا أن الإنسان إذا بلغ أصبح مخاطبًا بالصلاة والصيام وسائر التكاليف الشرعية، وصار مسؤولًا عن تصرفاته وأفعاله أمام الله تعالى وأمام المجتمع، وأن الشريعة لم تجعل سن الثامنة عشرة حداً فاصلًا بين الطفولة والرشد، وإنما ربطت الأحكام بوجود الأهلية الحقيقية المتحققة بالبلوغ وما يصاحبه من إدراك وتمييز.
بلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة
كما لفت إلى أن كثيرًا من القوانين الحديثة تتعامل مع من بلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة أو السابعة عشرة على أنه قادر على اتخاذ قرارات مصيرية في جوانب متعددة من حياته، وقادر على استخدام وسائل تقنية معقدة وإقامة علاقات اجتماعية متشابكة، بل وقد تثبت الوقائع قدرته على التخطيط لجريمة وإخفاء آثارها والتنسيق مع غيره لتنفيذها، ثم تعود هذه القوانين نفسها لتعتبره طفلًا فاقدًا للمسؤولية الجنائية الكاملة عندما يتعلق الأمر بأخطر الجرائم التي تمس أرواح الناس وأمن المجتمع.
القضية لا تتعلق بالرغبة في التشدد أو تغليب العقوبة
وشدد “بسيوني” على أن القضية لا تتعلق بالرغبة في التشدد أو تغليب العقوبة على الإصلاح، موضحًا أن الإصلاح مقصد معتبر ولا خلاف على أهمية برامج التأهيل والرعاية للأحداث، إلا أن العدالة تقتضي وجود تناسب بين مستوى الإدراك ومستوى المسؤولية، وبين جسامة الجريمة والعقوبة المترتبة عليها.
وصف الطفولة المرتبط بسن الثامنة عشرة إلى حاجز
وتابع أن من غير المنطقي أن يتحول وصف الطفولة المرتبط بسن الثامنة عشرة إلى حاجز يمنع مساءلة شخص أثبتت الوقائع أنه كان بالغًا ومدركًا لما يفعل وقاصدًا لنتائجه ومشاركًا في التخطيط والتنفيذ بإرادة واعية، مشيرًا إلى أن الإبقاء على معيار الثامنة عشرة بصورة جامدة ومطلقة يخلق فجوة متزايدة بين شعور المجتمع بالعدالة وبين ما تنتهي إليه بعض الأحكام القانونية.
الناس لا يحاكمون الوقائع بالأرقام المجردة
وأكد “بسيوني” أن الناس لا يحاكمون الوقائع بالأرقام المجردة، وإنما بما يظهر لهم من حقائق الأفعال ومستوى الإدراك والقصد لدى مرتكبيها، وعندما يرون شخصًا قادرًا على إقامة علاقات محرمة والتخطيط لجريمة قتل والمشاركة في تنفيذها، ثم يوصف قانونًا بأنه طفل لا يتحمل المسؤولية الكاملة، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق التشريع مع مقتضيات العدالة والردع.
أدوات لتحقيق مصالح المجتمع
كما شدد على أن القوانين ليست نصوصًا مقدسة، وإنما أدوات لتحقيق مصالح المجتمع وحماية أمنه واستقراره، وأن الوقائع المتكررة وما كشفه التطبيق التشريعي من إشكاليات عملية يفرضان على المشرعين والخبراء وأهل الاختصاص إعادة النظر في هذه المسألة من خلال مراجعة علمية جادة، بعيدًا عن الضغوط الأيديولوجية أو الإلزامات الغربية أو النقل الحرفي لتجارب قانونية نشأت في بيئات مختلفة ثقافيًا واجتماعيًا وتشريعيًا.
إدراك وتمييز عنصرًا أساسيًا في تقدير المسؤولية الجنائية
ودعا “بسيوني” إلى إعادة التوازن في هذا الملف بحيث يصبح البلوغ الشرعي وما يصاحبه من إدراك وتمييز عنصرًا أساسيًا في تقدير المسؤولية الجنائية، مع منح القضاء مساحة أوسع للنظر في طبيعة الجريمة وملابساتها ومدى نضج الجاني وإدراكه، معتبرًا أن ذلك أوفق مع أحكام الشريعة وأقرب إلى مقتضيات العقل وأكثر قدرة على تحقيق العدالة للضحايا وحفظ أمن المجتمع واستقراره..
الانفعال وردود الأفعال المرتبطة بحوادث بعينها
وتساءل رئيس “عليا النور”: “ألم يحن الوقت بعد لفتح نقاش تشريعي هادئ حول هذه القضية، بعيدًا عن الانفعال وردود الأفعال المرتبطة بحوادث بعينها، وبهدف الوصول إلى منظومة قانونية أكثر عدلًا واتزانًا تجمع بين الرحمة والردع، وبين الإصلاح والمساءلة، وتستلهم أحكام الشريعة وحقائق الواقع ومتطلبات حماية المجتمع؟”، مؤكدًا أن التشريع الرشيد هو الذي يواكب الواقع دون أن يفقد بوصلته الشرعية والأخلاقية، ويحقق العدالة دون أن يتخلى عن الفطرة أو يصادم مقتضيات العقل السليم.


