في تطور يعكس انتقال ثقل المواجهة من قطاع غزة إلى الجبهة الشمالية، يسعى الجيش الإسرائيلي إلى فرض واقع ميداني جديد في جنوب لبنان عبر ما يوصف بـ“الخط الأصفر”، وهو خط أمني غير معلن رسميًا، يحدد حدود التحرك والانتشار داخل الأراضي اللبنانية، ويعيد رسم قواعد الاشتباك بشكل يتجاوز الأطر التقليدية.

ويأتي هذا التحرك في أعقاب الحرب الأخيرة في قطاع غزة، حيث تحاول إسرائيل نقل نموذج “المنطقة العازلة” إلى الجنوب اللبناني، مستفيدة من حالة التهدئة المؤقتة التي فرضها اتفاق وقف الأعمال القتالية، غير أن هذا “الخط” لا يمثل حدودًا ثابتة بقدر ما يعكس انتشارًا مرنًا لقوات الاحتلال داخل جيوب عسكرية متفرقة، تمتد في بعض المناطق لعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

خطط إسرائيلية خبيثة

ووفقًا لمسؤولين كبار في جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإن ما يعرف بـ“الخط الأصفر” سيفرض داخل لبنان، بحيث يمنع السكان من العودة إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية. 

ويستند هذا التكتيك إلى تجربة سابقة طبقت في غزة، حيث استخدم “الخط الأصفر” لتقسيم القطاع، محددًا مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية ومغلقة أمام المدنيين ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار.

وأوضح المسؤولون أن “نموذج الخط الأصفر في غزة سيتم نسخه في لبنان”، مشيرين إلى أن الجيش الإسرائيلي حدد بالفعل نطاقًا ميدانيًا يعمل ضمنه حاليًا.

كما أكدوا أن السكان لن يسمح لهم بالعودة إلى نحو 55 قرية لبنانية تقع داخل هذه المنطقة، في خطوة تعكس توجهًا نحو إحداث تغيير ديموغرافي وأمني في الجنوب.

وأضاف المسؤولون أن الجيش الإسرائيلي مخول بمواصلة تدمير ما يزعمون بأنه “البنية التحتية الإرهابية” داخل هذه المناطق حتى خلال فترة وقف إطلاق النار، ما يثير تساؤلات حول مدى التزام إسرائيل ببنود الهدنة.

في السياق ذاته، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس على أن الجيش “سيواصل الاحتفاظ بجميع المواقع التي سيطر عليها”.

ميدانيًا، يتركز الوجود الإسرائيلي في ثلاثة محاور رئيسية: القطاع الغربي قرب البياضة، والقطاع الأوسط في محيط بنت جبيل، والقطاع الشرقي باتجاه الخيام، حيث يُسجل أعمق توغل.

ويعتمد هذا الانتشار على نقاط عسكرية متقدمة بدلاً من خط تماس متصل، ما يمنح الجيش الإسرائيلي قدرة أكبر على المناورة، لكنه في الوقت ذاته يعكس صعوبة فرض سيطرة كاملة على الأرض.

إنشاء منطقة أمنية عازلة

ويفسر مراقبون هذا “الخط الأصفر” على أنه محاولة لإنشاء منطقة أمنية عازلة خالية من السكان، تستخدم كحاجز أمام أي تهديدات محتملة من حزب الله، الذي لا يزال يحتفظ بوجود ميداني في عدد من القرى والبلدات، رغم الحصار أو التوغل الإسرائيلي.

ويعني ذلك أن السيطرة الإسرائيلية تبقى نسبية، وتخضع لتوازنات دقيقة على الأرض.

سياسيًا، يطرح هذا الواقع تحديات كبيرة أمام الدولة اللبنانية، التي تسعى إلى استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، في حين يُنظر إلى هذا الانتشار الإسرائيلي على أنه تجاوز للقرار الأممي قرار مجلس الأمن 1701، الذي ينص على وقف الأعمال العدائية وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

وعلى مستوى الهدنة، فإن “الخط الأصفر” يضع اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار حقيقي، إذ يمنح إسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك تحت بند “الدفاع عن النفس”، بينما يرفض الجانب اللبناني، ومعه حزب الله، تحويل هذا الانتشار إلى أمر واقع دائم.

ورغم بدء عودة بعض السكان إلى منازلهم مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فإن القيود المفروضة على عشرات القرى تعكس هشاشة التهدئة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version