اجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها عبر موقعها الرسمي مضمونة: ما حكم أخذ مقابل إضافي على توصيل المشتريات؟ فأنا أدير منشأة تجارية لبيع المنتجات التجميلية، وأقدم خدمة إضافية للمشترين تتمثل في نقل السلع المبيعة وإيصالها إلى محال إقامتهم أو عناوين يحددونها مسبقًا، وذلك مقابل مبالغ مالية تُفرضُ كقيمة زائدة على الثمن الأصلي للمبيع، وتقدر بنسبة مئوية من قيمة المشتريات، وحيث إنَّ المنشأةَ تَعْهَدُ بتنفيذِ هذه الخدمةِ إلى عمالٍ متخصصين، مما يترتب عليه كُلفة مالية وأجور لهؤلاء العمال، فما الحكم الشرعي في فرض رسوم على خدمة توصيل المشتريات؟.
لترد دار الإفتاء موضحة، أنه لا مانع شرعًا من تقاضي رسوم على خدمة توصيل المشتريات، وهي أجر الاستئجار مقابل عمل النقل، متى كانت المشتريات مباحة شرعًا، وتوافر لدى كل من البائع والمشتري التراضي المبني على العلم بالرسوم ومحل التسليم، وكان ذلك وفق العرف الجاري واللوائح القانونية المنظمة.
مشروعية المعاملات المالية
الأصل في المعاملات المالية هو الحل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، وهذا الحِلُّ ينسحبُ على كلِّ أنواع البيوع إلَّا ما نَصَّ الشرع على حرمته واستثناه من حكم الأصل، وذلك كالبيوع المشتملة على الرِّبَا أو غيره من المحرمات.
قال الإمام الشافعي في “الأم” (3/ 3، ط. دار المعرفة): [أصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا إلا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى] اهـ.
وإذا كان الأصل في العقود هو الحل، فإنَّ نفاذها شرعًا واستقرار الحقوق المترتبة عليها منوطٌ بتحقق ركن التراضي بين المتعاقدين، وهو ما يوجب انتفاء صور الغبن والتدليس المانعة من صحة الرضا؛ لمقتضى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: 29].
حكم أخذ مقابل إضافي على توصيل المشتريات
يشيع في واقع المعاملات الحديثة نمط تجاري وسيط، هو: التوصيل، حيث يفرض البائع رسومًا مالية نظير توصيل المبيع وتسليمه للمشتري، وتتوقف عقود التوصيل على علم المشتري بالرسوم، وقبوله لها كعوضٍ عن منفعة النقل.
وبالنظر في المعاملة المسؤول عنها نجدها تتركبُ من عقدين متميزين: عقد بيعٍ للسلعة، وعقد إجارةٍ على خدمة التوصيل، وهي منفعة مستقلة يقدمها البائع للمشتري، ويستحق عليها عوضًا خاصًّا، وهذا الأجر ليس زيادة في ثمن السلعة تضافُ إلى الثمن الأصلي، وإنما هي عِوضٌ عن منفعةٍ مقصودة مقدمة للمشتري، تتمثل في الجهد المبذول في النقل والإيصال يتفق الطرفان عليه.
والبيع والإجارة كلاهما من العقود الجائزة شرعًا، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].
وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ أَفْضَلِ الْكَسْبِ، فَقَالَ: «بَيْعٌ مَبْرُورٌ، وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ» رواه أحمد.
وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» رواه ابن ماجه.
وبُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم والناس يتعاملون بالإجارة، فأقرهم على ذلك، وعليه الإجماع.
قال الإمام ابن القطان في “الإقناع في مسائل الإجماع” (2/ 159، ط. الفاروق الحديثة للطباعة والنشر): [والإجارة ثابتة بكتاب الله تعالى والأخبار الثابتة عن رسوله عليه السلام. واتفق على إجازتها كل من نحفظ من أهل العلم] اهـ.
والإجارة كما عرفها الخطيب الشربيني في “مغني المحتاج” (3/ 438، ط. دار الكتب العلمية): [عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم] اهـ.
والمنافع كالأعيان قصدًا وعقدًا، فيجوز التعاقد على تقديم منفعة، والاعتياض عنها بعوض مالي، والحنفية وإن كانوا يرون أن المنافع لا تُعدُّ أموالًا بنفسها، إلا أنها تُنزَّل منزلة الأموال في عقود المعاوضات للضرورة.
قال الإمام الموصلي الحنفي في “الاختيار” (2/ 79، ط. الحلبي): [المنافع تستحق بعوض وغير عوض كالأعيان] اهـ.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في “الإشراف على نكت مسائل الخلاف” (2/ 658، ط. دار ابن حزم): [المنافع أحد نوعي المعاوضات كالأعيان] اهـ.
وقال الإمام زين الدين العراقي الشافعي في “طرح التثريب” (6/ 72، ط. دار إحياء التراث): [المنافع كالأعيان، في أنها تُقصَد ويُعقَد عليها] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في “المغني” (5/ 322، ط. مكتبة القاهرة): [والمنافع بِمَنْزِلَة الأعيان؛ لأنه يَصِحُّ تَمليكُها في حال الحياة وبعد الموت، وتُضمَن باليد والإتلاف، ويكونُ عِوضُها عَينًا ودَينًا] اهـ.
غير أنه ينبغي أن تتم المعاملة وفق الضوابط الشرعية الآتية:
أولًا: شرعية المشتريات، حيث يُشترط لصحة تقاضي الرسوم على خدمة التوصيل أن يكون عقد البيع قد تم صحيحًا مستوفيًا أركانه وشروطه؛ لأن خدمة التوصيل فرع تابع لعملية البيع، وأثر من آثارها، و”التابع تابع” في الصحة والفساد والحرمة والجواز، فإذا بطل أصل المعاملة لعدم شرعية المبيع، بطل بالتبعية استحقاق الأجر على خدمة توصيله؛ لأن في ذلك إعانة على المعصية، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
ثانيًا: انتفاء الجهالة، بأن تكون الرسوم معلومةً للمشتري قبل إبرام العقد، وأن تكون المنفعة معلومة للبائع، بأن تكون جهة التوصيل معروفة لديه؛ سدًّا لذرائع المنازعة والغرر والجهالة المفسدة للعقود.
قال العَلَّامة الكاساني في “بدائع الصنائع” (4/ 179-180، ط. دار الكتب العلمية) في شرائط المعقود عليه كركن من أركان الإجارة: [أن يكون المعقود عليه وهو المنفعة معلومًا علمًا يمنع من المنازعة، فإن كان مجهولًا ينظر إن كانت تلك الجهالة مفضية إلى المنازعة تمنع صحة العقد، وإلا فلا؛ لأن الجهالة المفضية إلى المنازعة تمنع من التسليم والتسلم فلا يحصل المقصود من العقد، فكان العقد عبثًا لخلوه عن العاقبة الحميدة، وإذا لم تكن مفضية إلى المنازعة يوجد التسليم والتسلم فيحصل المقصود] اهـ.
وقال العَلَّامة الدردير في “الشرح الصغير” (4/ 8، ط. دار المعارف) عند حديثه عن أركان الإجارة: [(و) الثالث: (أجر، كالبيع) من كونه طاهرًا منتفعًا به مقدورًا على تسليمه معلومًا ذاتًا وأجلًا أو حلولًا] اهـ


