تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: ما حكم تقصير الوكيل في نيابته في رَمْي الجمار؟ فقد قام أحد الحُجَّاج مِن قريتي في نفس الفوج بإنابتي عنه في القيام برمي جمرة العقبة؛ وذلك لعدم قدرته على ذلك، ففعلتُ ذلك عنه، لكني قمت برميها جميعًا دفعة واحد، ولم أخبره بذلك الأمر حتى تُوفِّي، فما مدى صحة رمي الجمرات؟
وأجابت دار الإفتاء عن السؤال قائلة: ما قمتَ به من رَمْي الجمار دَفْعة واحدة عن جارك بعد إنابته لك صحيحٌ مجزئٌ، ولا يلزمك شيء مِن فدية أو غيرها؛ عملًا بقول من أجاز ذلك مِن الفقهاء.
ونوهت ان الأَوْلَى والأَفضَل في قابل الأيام إذا وُفِّقت لأداء الحج مَرَّة أخرى هو التفريق بين الحصيات السَّبْع عند الرمي -بأن ترمي كلَّ حصاةٍ بانفرادها واحدةً واحدةً؛ خروجًا من خلاف الفقهاء.
حكم تقصير الوكيل في نيابته في رَمْي الجمار ورميها دفعة واحدة
من شروط النيابة في الحج عن الحي التي نَصَّ عليها الجمهور أيضًا: تَوقُّفها على إذن المحجوجِ عنه؛ لأنَّ الحج يفتقر إلى النية، ونيةُ الحي كإذنه، وعلى ذلك فقد أجاز الفقهاء الوكالة والنيابة في القيام بأداء بعض أعمال الحج، كرمي الجمرات، وذلك إذا عَجَز الحاج عن أداء الرمي بنفسه، سواء كان ذلك العجز لمرض يمنعه، أو حبسٍ يحول بينه وبين القدرة على ذلك.
ومن مقتضيات الوكالة أنَّه يجب على الوكيل الالتزام بما وُكِّل فيه، ولا يجوز له البَدَل بغيره، أو التَّعدِّي في غير ما وُكِّل فيه؛ لأنَّه لا يجوز مخالفة الوكيل للموكِّل فيما وَكَّله فيه، فإن تعدَّى الموكِّل وأمضاه الوكيل فلا بأس، وإلَّا لا يَنْفُذ على الموكِّل، وذلك لأنَّ مقصد الموكِّل مراعى لا ينبغي إهداره تغييرًا أو تَعدِّيًا.
ويرى جمهور الفقهاء من الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة أنه يجب على الوكيل في رمي الجمرات التفريق بين الحصيات السَّبْع عند الرمي -بأن يرمي كلَّ حصاةٍ بانفرادها واحدةً واحدةً-؛ وذلك لأنَّ الرمي وَجَبَ تَعبُّدًا فيراعى فيه مورد التعبد، وقد ورد بتفريق الرميات، فوجب اعتباره.
والأَوْلَى بالاختيار ما ذهب إليه جمهور الفقهاء مِن القول بوجوب التفريق بين الحصيات السَّبْع في الرَّمي، بيد أنه لما كان الرَّمي قد تَمَّ من الوكيل دَفْعة واحدة فيصحح هذا الفعل بناءً على ما ذهب إليه عطاء ومَن وافقه من القول بإجزاء رمي الحصيات مجتمعات في هذه الحالة، لا سيما وأنَّه قد جرى الفقهاء والأصوليون على حَمْل أفعال المكلفين على الصحة إذا وافقت قول أحد المجتهدين، فإن مراد الشرع تصحيح أفعال المكلفين ما أمكن.
وهذا هو المعتمد في الفتوى، وهو الذي جرت عليه دار الإفتاء المصرية في عهودها المختلفة؛ قال العلامة محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية الأسبق في “الفتاوى” (1/ 225، ط. دار وهبة): [متى وافق عمل العامي مذهبًا من مذاهب المجتهدين ممن يقول بالحل أو بالطهارة كفاهُ ذلك، ولا إثم عليه اتفاقًا] اهـ.
بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن ما قمتَ به من رَمْي الجمار دَفْعة واحدة عن جارك بعد إنابته لك صحيحٌ مجزئٌ، ولا يلزمك شيء مِن فدية أو غيرها؛ عملًا بقول من أجاز ذلك مِن الفقهاء، والأَوْلَى والأَفضَل في قابل الأيام إذا وُفِّقت لأداء الحج مَرَّة أخرى هو التفريق بين الحصيات السَّبْع عند الرمي -بأن ترمي كلَّ حصاةٍ بانفرادها واحدةً واحدةً؛ خروجًا من خلاف الفقهاء.


