بين الانسحاب التدريجي الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط وتصدير الأزمات، تحاك حرب إسلامية-إسلامية بامتياز، تدار بدقة وهدوء لكي تشتعل بين السنة والشيعة، وتتحول منطقتنا إلى ساحة تجارب لمشروع أمريكي قديم-جديد؛ فمع كثرة العناوين التي تتحدث عن انسحاب أمريكي تدريجي من الشرق الأوسط، وكانت بدايته إعلان خروج أمريكا من العراق قبل أيام، وعلى صعيد آخر تخفيف التصعيد العسكري ضد طهران، تظهر للمتابعين ملامح مشروع أخطر بكثير مما تغطيه كاميرات القنوات الإخبارية، يدور تحت السطح.

فالانسحاب الأمريكي من المنطقة، الذي يقدم للعالم على أنه تصحيح للمسار وبداية لتعافي هذه الدول، ليس في حقيقته سوى إعادة تموضع؛ فبدلًا من الجندي الأمريكي على الأرض سيكون هناك وكلاء محليون يديرون المعارك نيابة عن واشنطن، وبدلًا من المواجهة المباشرة مع إيران ستكون هناك حرب طاحنة بين أبناء البيت الإسلامي الواحد، سنة وشيعة، تستنزف فيها طاقات الأمة دون أن تتلوث أيدي القوى الدولية بقطرة دم واحدة.

ففتيل الأزمة لم يُسحب بالأمس، بل كان يُمهد له منذ أن بدأت واشنطن ترسم خطوطًا حمراء جديدة في الخليج، وتصعد لهجتها ضد طهران، وتغري في الوقت نفسه عواصم عربية بالدخول في ما يسمى بتحالفات أمنية جديدة، وهنا تكمن الحبكة؛ فالحرب الأمريكية على إيران لن تستمر، لكنها ستتحول إلى حرب بالوكالة تدار عبر توريط دول عربية في صراعات مباشرة أو غير مباشرة مع طهران وحلفائها، وفي هذه المعادلة يعاد توظيف المذاهب كأداة حشد شعبي ليكون الصراع معركة عقائدية لا مناورة جيوسياسية، وينسى أن الدول التي تتورط اليوم في هذه المعارك هي نفسها التي كانت بالأمس تبيع لإيران وتشتري منها، وتستقبل على أراضيها ملايين العمال الإيرانيين.

ولمعرفة كيف تتحول هذه الخيوط إلى فتيل قابل للاشتعال، لا بد من قراءة المشهد على 3 مراحل متداخلة؛ الأولى هي المرحلة الجيوسياسية، حيث تسعى واشنطن إلى إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة عبر خلق عداء مباشر بين عواصم عربية وطهران، بما يمنع أي احتمال لحوار إقليمي مستقل، والثانية هي المرحلة المذهبية، حيث يوظف الخلاف الفقهي القديم بين السنة والشيعة ليصبح وقودًا للصراع الحديث، فيتحول الشاب في بغداد أو بيروت أو صنعاء وغيرها من البلدان العربية إلى جندي مذهبي قبل أن يكون مواطنًا في دولة ذات سيادة، والثالثة هي المرحلة الإعلامية، حيث تعمل آليات صناعة الرأي العام على تآكل المناعة المجتمعية عبر خطاب يعيد إنتاج صورة الآخر كعدو وجودي، لا كمختلف في الرأي.

وهذا المشهد المخيف في تفاصيله ليس قدرًا محتومًا؛ فالفتنة المذهبية بين السنة والشيعة، حين وقعت في فترات تاريخية سابقة، كانت دائمًا نتيجة فراغ سياسي أو تآمر خارجي، لا نتيجة خلاف فقهي، لكن ما يحدث اليوم من تصعيد في جوهره استيراد لصراعات ليست من صميم ثقافتنا، وتوظيفها لخدمة أجندات لا علاقة لها لا بالدين ولا بالمصلحة الوطنية لأي من الدول المعنية.

ولوقف هذه الحرب قبل أن تشتعل، لا بد من خطوات عملية تبدأ من القمة وتنتهي إلى القاعدة؛ فعلى مستوى الدول، يجب على العواصم العربية أن تدرك أن توريطها في حرب بالوكالة ضد إيران وأذرعها هو انتحار سياسي واقتصادي؛ فالمنطقة التي تحترق لن يبقى فيها منتصر، والدول التي تقحم نفسها في صراعات مذهبية ستدفع ثمنها من أمن مواطنيها واستقرار اقتصاداتها.

وعلى المستوى العلمي، يجب على المرجعيات الدينية الكبرى، سواء السنة أو الشيعة، إصدار موقف موحد يحرم تكفير المخالف، ويحرم دم من يصلي إلى القبلة نفسها، ويجرم كل خطاب يستهدف التحريض المذهبي.

وعلى المستوى الشعبي، يجب أن تعاد صياغة الذاكرة المشتركة، وأن تبرز فترات التعايش والتآخي التي عاشها أبناء المذهبين جنبًا إلى جنب، لا في الماضي البعيد فقط، بل في حاضرنا القريب، حين كان العراقي والسعودي والإيراني واللبناني واليمني يتقاسمون الأسواق نفسها والمستشفيات نفسها والجامعات نفسها.

فإذا نظرنا إلى ما بعد هذه المؤامرة، ندرك أن ما نعيشه ليس مجرد مؤامرة عابرة، بل هو ولادة عسيرة لنظام إقليمي جديد؛ فخرائط سايكس بيكو التي رُسمت قبل قرن تتغير اليوم، ليُكتب بدلًا منها حدود جديدة بالدم والنار، فالمنطقة تتجه نحو واقع قد لا يعترف بالدول التقليدية، بل بدويلات ومناطق نفوذ طائفية واقتصادية، ستدفع شعوب المنطقة الثمن الأكبر، بينما تخرج القوى العظمى واللاعبون الإقليميون بترتيبات جديدة، تاركين خلفهم شرق أوسط ممزقًا، بعيدًا كل البعد عن وهم السلام الذي يسوقونه لنا.

لكن وسط هذه الفوضى الإقليمية والدولية، نشاهد دولة واحدة ترفض أن تنجر إلى فخ الفوضى الخلاقة، وتعمل بكل ثقلها لتكون صمام أمان للمنطقة؛ إنها مصر التي تدرك أن انهيار المنظومة الأمنية في المشرق والجنوب يعني تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي وللمصالح المصرية الحيوية، فمصر لا تكتفي بمراقبة المشهد، بل تقود جهودًا مكثفة للتهدئة ومنع اتساع دائرة الصراع، مستخدمة ثقلها التاريخي وموقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية الرادعة، لمنع تحول المنطقة إلى كيانات طائفية متحاربة، فالدور المصري هنا ليس ترفًا، بل هو المحاولة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من دول مركزية في المنطقة قبل أن تتفتت وتبتلعها الفوضى التي تجنبتها مصر على مدار الـ15 عامًا الماضية، بفضل قواتنا المسلحة، صمام أمان مصر.

وهنا عزيزي القارئ، يجب أن تدرك أن الحرب القادمة، إن وقعت، لن تكون حربًا بين السنة والشيعة، بل ستكون حربًا على السنة والشيعة معًا؛ فالدول التي تخطط لهذه الفتنة اليوم لن تكون هي التي تدفع ثمنها، بل ستكون هي التي تجني أرباحها من وراء دمار المنطقة، فيجب أن نفهم كشعوب عربية حقيقة مؤكدة؛ حين تتصارع الدول الكبرى على بسط نفوذها، يجب علينا كعرب أن ننحاز إلى المصلحة العامة لمنطقتنا.

وهذا يتطلب وعيًا من كل العرب، شعوبًا وحكامًا؛ لأن أعظم خدمة يمكن أن يقدمها أبناء هذه الأمة اليوم هي أن يدركوا أن العدو الحقيقي ليس في المذهب الآخر، بل في كل من يريد أن يحول اختلافنا إلى اقتتال، وخلافنا إلى تدمير؛ فالقبلة واحدة، والنبي واحد، والمستقبل إما أن يكون مشتركًا أو لن يكون.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version