رغم تصاعد الحديث في الولايات المتحدة وإسرائيل عن احتمال انخراط سوريا في مواجهة عسكرية مع حزب الله؛ يرى تحليل نشرته صحيفة “النشرة” اللبنانية، أن القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، تتجنب الانجرار إلى أي صدام مباشر، في ظل تعقيدات داخلية وإقليمية تجعل خيار الحرب بالغ الكلفة.
وجاء التحليل؛ بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي قال فيها إنه إذا لم تتمكن إسرائيل من القضاء على حزب الله، “فيجب على سوريا أن تقوم بالمهمة”، وهو ما أثار موجة من التكهنات بشأن احتمال فتح جبهة سورية ضد الحزب.
وفي هذا السياق، نشر المعلق اللبناني محمد علوش، مقالاً تحليلياً، تناول فيه الأسباب التي تدفع دمشق إلى الابتعاد عن أي مواجهة عسكرية مع حزب الله، مؤكداً أن القيادة السورية لا تبدو مستعدة لخوض مغامرة قد تؤدي إلى إشعال الحدود السورية اللبنانية وإطلاق حرب يصعب التحكم بمسارها أو تداعياتها.
تقارير عن تنسيق واستعدادات… ودمشق تلتزم الحذر
وخلال الأسابيع الأخيرة، انتشرت تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية تحدثت عن اهتمام واشنطن بتوسيع نطاق المواجهة مع حزب الله، بحيث لا تقتصر الضغوط على الحكومة اللبنانية أو العمليات الإسرائيلية، وإنما تشمل أيضاً أطرافاً إقليمية، وفي مقدمتها سوريا.
كما ترددت مزاعم عن وجود تنسيق أمني وعسكري واسع بين واشنطن ودمشق، إلى جانب تقارير تحدثت عن استعدادات سورية لفتح جبهة ضد حزب الله.
إلا أن علوش يؤكد- استناداً إلى مصادره- أن الواقع مختلف، إذ تعتمد دمشق سياسة أكثر حذراً، تركز على منع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة قد تفتح باباً جديداً للتصعيد في المنطقة.
تحقيقات التفجيرات وتوجيه الاتهام إلى داعش
ويبرز الحذر السوري أيضاً في طريقة التعامل مع سلسلة الانفجارات الأخيرة داخل البلاد، ففي البداية، أشارت تقارير إعلامية إلى احتمال وقوف حزب الله وراء تلك الهجمات، وهو ما كان من شأنه زيادة التوتر بين الطرفين.
لكن مسؤولين سوريين أعلنوا لاحقاً أن النتائج الأولية للتحقيقات تشير إلى تورط تنظيم داعش، وهو ما ساهم، بحسب التحليل، في تهدئة الأجواء وتحويل الاهتمام مجدداً نحو خطر التنظيمات المتطرفة التي تسعى لاستغلال أي فراغ أمني داخل سوريا.
الحرب النفسية على الحدود
كما يشير التحليل إلى أن التقارير التي تحدثت عن حشود عسكرية سورية وتحركات للمركبات المدرعة باتجاه الحدود اللبنانية لم تؤكدها المصادر، معتبراً أن هذه الروايات تندرج ضمن الحرب النفسية والإعلامية المصاحبة للصراع الإقليمي، والهادفة إلى الإيحاء بأن مواجهة جديدة باتت وشيكة.
سوريا تواجه أولويات داخلية
ويرى الكاتب أن أحد أبرز أسباب إحجام دمشق عن التصعيد؛ يتمثل في الظروف الداخلية التي تمر بها البلاد، حيث تركز الحكومة الجديدة على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن الداخلي، واحتواء الأزمة الاقتصادية العميقة.
كما تواجه دمشق تحدياً في إدارة علاقاتها المعقدة مع الولايات المتحدة وتركيا والدول العربية وأوروبا، وهو ما يجعل فتح جبهة جديدة ضد حزب الله خطوة قد تعيد البلاد إلى دوامة الفوضى التي تحاول الخروج منها.
ويؤكد علوش أن التفاهمات بين القيادة السورية والإدارة الأمريكية تتركز على ضبط الحدود ومنع نقل الأسلحة من سوريا إلى لبنان، وليس على خوض حرب مباشرة ضد حزب الله.
لبنان لا يريد التصعيد
ولا يقتصر رفض التصعيد على الجانب السوري، إذ يرى التحليل أن لبنان نفسه غير قادر على تحمل جبهة جديدة، في ظل هشاشة أوضاعه السياسية والاقتصادية والأمنية.
ويحذر من أن اندلاع مواجهة على الحدود الشرقية قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإحياء التوترات الطائفية والدينية داخل البلاد.
وبحسب الكاتب، فإن أي صدام مباشر بين سوريا وحزب الله سيصب في مصلحة إسرائيل، لأنه سيجبر الحزب على توزيع قواته وتشتيت جهوده بين أكثر من جبهة، وينقل جزءاً من الصراع إلى الأراضي السورية واللبنانية، بما يخفف الضغط عن الجبهة الرئيسية مع إسرائيل.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن المعلق اللبناني لم يتناول الاتفاقية الإطارية التي جرى توقيعها مؤخراً خلال محادثات بين إسرائيل ولبنان، رغم أنها قد تترك تأثيراً مهماً على المشهد الإقليمي في المرحلة المقبلة.
تركيا… عامل كابح للتصعيد
ويختتم التحليل بالإشارة إلى الدور التركي، موضحاً أن أنقرة، صاحبة النفوذ الواسع في سوريا الجديدة، لا تبدو مؤيدة لأي تصعيد على الحدود السورية اللبنانية.
فتركيا، بحسب التقرير التحليلي، تسعى إلى ترسيخ الاستقرار داخل سوريا، ودعم الحكومة المركزية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري مع دول المنطقة، بينما من شأن اندلاع حرب جديدة أن يقوض هذه الأهداف، ويعيد الاضطرابات الأمنية، ويمنح التنظيمات المتطرفة فرصة جديدة للتمدد.
ولذلك، يتوقع علوش أن تستخدم أنقرة نفوذها لدى دمشق، إلى جانب اتصالاتها الإقليمية والدولية، لمنع أي محاولة لفتح جبهة جديدة مع حزب الله، في إطار مساعٍ للحفاظ على الاستقرار وتجنب توسيع رقعة الصراع في المنطقة.


