هناك اعتقاد شائع يضع الحب والرغبة في كفتين متعارضتين، وكأن الرجل إما أن يحب المرأة أو يرغب فيها، وكأن الانجذاب الجسدي دليل كافٍ على الحب، أو أن الحب الحقيقي لا يمكن أن يحمل في داخله رغبة جسدية. كلا التصورين يختزلان علاقة معقدة في إجابة بسيطة، بينما الحقيقة أكثر عمقًا وتشابكًا.
فالانجذاب الجسدي جزء طبيعي من العلاقة العاطفية، وقد يكون واحدًا من الأبواب التي يدخل منها الحب إلى القلب لكن المشكلة لا تكمن في أن يرغب الرجل في المرأة التي يحبها، ولا في أن ينجذب إلى جسدها، فهذه الرغبة قد تكون امتدادًا لمشاعره واحتياجه وقربه النفسي منها. المشكلة تبدأ عندما يصبح الجسد هو كل ما يراه الرجل في المرأة، وعندما تختفي هي كإنسانة خلف تفاصيل جسدها، وعندما تكون الرغبة أقوى بكثير من أي شعور آخر يمكن أن يربطه بها.
وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن الإجابة عنه بجملة واحدة: هل يحب الرجل المرأة التي يرغب فيها، أم يرغب في المرأة التي يحبها؟
ربما يكون الرجل في الحالتين مختلفًا تمامًا، حتى لو بدا من الخارج أن سلوكه واحد. رجل يقترب من امرأة لأنه يشعر بانجذاب جسدي قوي إليها، ورجل آخر ينجذب إلى امرأة جسديًا لأن شيئًا عميقًا فيها سبقه إلى قلبه. كلاهما قد ينظر إليها بالطريقة نفسها، وقد يقترب منها، وقد يشعر بالرغبة تجاهها، لكن ما يحدث في داخله ليس بالضرورة واحدًا.
الرغبة وحدها قد تكون قوية، ومُلِحّة، ومسيطرة، لكنها لا تعني بالضرورة أن الرجل يحب المرأة. فالرجل قد يرغب في امرأة ولا يشتاق إليها، وقد يفتقد جسدها دون أن يفتقد صوتها، وقد يبحث عن قربها دون أن يكون مهتمًا بما يدور داخلها، وقد يشعر بالانجذاب إليها دون أن يشعر بأن وجودها أصبح جزءًا من عالمه النفسي.
وهنا تكمن المسافة الدقيقة بين أن يرغب الرجل في امرأة، وأن يحتاج إلى وجودها هي.
فالرغبة قد تقول: «أريدك الآن».
أما الحب، فيقول شيئًا أعمق: «أريدك أنتِ، حتى عندما لا تكون الرغبة هي ما يقودني إليكِ».
وهذا لا يعني أن الرجل الذي ينجذب جسديًا إلى امرأة لا يحبها بالضرورة، فالحب قد يبدأ أحيانًا من الانجذاب، وقد تكون النظرة الأولى جسدية قبل أن تتسع لتشمل الشخصية والروح وطريقة الكلام والحضور والذكاء والحنان والتفاصيل الصغيرة. قد يرى الرجل امرأة، فينجذب إليها أولًا، ثم يبدأ بالتعرف إليها، فيكتشف أنها أصبحت تشغل مساحة في تفكيره. يبدأ في انتظار رسائلها، والاهتمام بتفاصيل يومها، وتذكر الأشياء التي قالتها عرضًا، والشعور بالقلق عندما تبتعد، والاشتياق إلى الحديث معها حتى في غياب أي مساحة للرغبة.
هنا تكون الرغبة قد فتحت الباب، لكنها لم تبقَ وحدها في الداخل.
أما الرجل الذي يكون انجذابه الجسدي إلى المرأة أكبر بكثير من انجذابه العاطفي إليها، فقد يعيش علاقة مختلفة تمامًا. هو لا ينكر أنها تعجبه، ولا ينكر أنه يشعر تجاهها برغبة قوية، لكنه قد لا يشعر بالحاجة إلى معرفتها بعمق. قد لا يهتم بما يؤلمها، ولا بما تخافه، ولا بما تحلم به، ولا بما يرهقها. قد يستمتع بقربها، لكنه لا يعرف كيف يكون حاضرًا في حياتها. قد يقترب عندما يحتاج إلى شيء، ويبتعد عندما تنتهي حاجته.
وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة في وجود الانجذاب الجسدي، بل في غياب الإنسان الذي يفترض أن يراه الرجل خلف هذا الانجذاب.
فالرجل الذي يحب امرأة لا يراها جسدًا فقط. قد يراها جميلة، وقد يرغب فيها، وقد يشعر تجاهها بانجذاب قوي، لكنه يستطيع أن يراها وهي متعبة، غاضبة، مرتبكة، مريضة، صامتة، أو بعيدة عن الصورة التي اعتاد أن يرغب فيها، ويظل قادرًا على رؤيتها باعتبارها هي.
أما الرجل الذي لا يرى في المرأة إلا ما يثيره، فقد يتغير حضوره عندما تتغير الظروف. قد يتراجع اهتمامه عندما لا تكون الرغبة متاحة، وقد يفقد حماسه عندما تحتاج المرأة إلى حديث طويل بدلًا من القرب الجسدي، وقد يشعر بالضيق من مشاعرها واحتياجاتها، لأنها تذكره بأنها إنسانة كاملة، وليست مجرد مساحة لإشباع رغبة.
وهنا تحتاج المرأة إلى أن تكون واعية جدًا، لأن أكثر الأخطاء إيلامًا أن تفسر الرغبة على أنها حب.
قد تقول لنفسها: «إنه يرغب فيَّ، إذن هو يحبني».
لكن الرغبة لا تقدم وحدها هذا الدليل.
الحب يظهر في أوقات لا تكون فيها المرأة في أجمل حالاتها، ولا أكثرها إثارة، ولا أكثرها قدرة على منح الرجل ما يريد. يظهر في الاهتمام الذي لا يحتاج إلى مقابل، وفي الرغبة في معرفة ما وراء وجهها، وفي الإصغاء إلى ما لا تقوله، وفي احترام حدودها، وفي الحضور الذي لا يرتبط دائمًا بالحصول على شيء.
الرجل قد يرغب في امرأة لأنه يراها جميلة، لكن الرجل الذي يحبها يريد أن يعرف لماذا تصمت عندما تحزن. قد يرغب فيها بسبب جاذبيتها، لكن الرجل الذي يحبها يتذكر الجملة التي قالتها له منذ أشهر وما زالت تؤلمها. قد ينجذب إلى جسدها، لكن الرجل الذي تعلق بها يشتاق إلى طريقة ضحكتها، إلى صوتها، إلى تفاصيل حديثها، إلى وجودها حتى عندما لا يحدث بينهما شيء استثنائي.
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا، لأن المرأة قد تكون مرغوبة ومحبوبة في الوقت نفسه. لا ينبغي أن تشعر بالخوف من رغبة الرجل فيها، ولا أن تعتبر الانجذاب الجسدي أمرًا ناقصًا أو غير نبيل. العلاقة العاطفية التي يغيب عنها الانجذاب الجسدي تمامًا قد تواجه هي الأخرى صعوبات حقيقية، لأن الجسد جزء من لغة الحب، والاقتراب الجسدي قد يكون تعبيرًا عن الحنان والاشتياق والاحتياج والقرب.
لكن الفرق يكمن في أن يكون الجسد جزءًا من العلاقة، لا أن تصبح العلاقة كلها جسدًا.


