يجيء معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين (21 يناير إلى 3 فبراير 2026) كأنه امتحانٌ سنويٌّ لضمير الثقافة العربية: هل لا يزال للكتاب مكانٌ في حياة الناس، أم صار عنوانًا تراثيًا يُزار كما تُزار المتاحف؟ غير أن صورة المعرض هذا العام تُقدّم جوابًا أكثر تركيبًا من ثنائية “إقبالٍ” و“عزوف”. فالمعرض، المنعقد بمركز مصر للمعارض والمؤتمرات الدولية، لا يفتح أبوابه بوصفه سوقًا للورق فحسب، بل بوصفه “بنية ثقافية” تُحاول أن تُمسك بالخيط الرفيع بين الحضور الاجتماعي للكتاب وتحولات القراءة في زمن الشاشة.
الذين يعلنون موت الكتاب الورقي يتكئون على ظاهرٍ يراه الجميع: هاتفٌ في اليد، زمنٌ متقطع، ذاكرةٌ مشتتة، وقراءةٌ أقرب إلى التصفح منها إلى التعمق. لكنهم يخطئون حين يجعلون من التحول الرقمي نقيضًا للقراءة؛ إذ الرقمنة لم تُلغِ الحاجة إلى المعنى، بل غيّرت طرائق الوصول إليه، وحرّكت أسئلة جديدة حول شكل الكتاب ووظيفته وسرعة تداوله. وفي هذا المعنى، لا يضع معرض القاهرة نفسه في موقع الدفاع عن الورق، بل في موقع “ترشيد” العلاقة بين القارئ والمعرفة: خفض تكلفة الوصول، توسيع دائرة العناوين، وتحويل المعرض إلى فضاء لقاءٍ بين الناشر والكاتب والقارئ، لا مجرد رفوف مكدّسة.
ولعل من العلامات الدالة على هذا التحول، إطلاق تطبيقٍ رسمي يسهّل التنقل داخل المعرض والبحث عن الأجنحة والخدمات. قد يبدو الأمر تفصيلاً تقنيًا، لكنه في الحقيقة إشعارٌ بأن المعرض بات يتعامل مع الرقمنة بوصفها جزءًا من تجربة القراءة لا خصمًا لها: القارئ اليوم يريد كتابًا، لكنه يريد أيضًا خريطةً وبياناتٍ ومعلومةً سريعة تقوده إلى ما يبحث عنه. وهنا تتقدم “هندسة الوصول” إلى المعرفة لتسبق أحيانًا “حيازة” المعرفة نفسها. 
أما سؤال الإقبال، فليس سؤال عدد الداخلين فحسب، بل سؤال نوعية العلاقة بالكتاب. فالإقبال قد يكون موسميًا، مدفوعًا بالخصومات وبزخم الحدث، لكن الرهان الأعمق هو أن يتحول المعرض إلى “عادة ثقافية” تُعيد للقراءة معنى الاستمرار. ولذلك فإن ما يُنتظر من دورة 2026 يتجاوز الأرقام إلى صناعة الثقة: ثقة القارئ في أن الكتاب يضيف إلى حياته لا إلى رفّه، وثقة الناشر في أن الاستثمار في الجودة لا يزال ممكنًا، وثقة الأسرة والمدرسة في أن القراءة ليست ترفًا حياتيًا بل شرطًا لتكوين عقلٍ قادر على الحكم الرشيد على الأشياء.
وفي قلب هذه الصورة يطلّ مستقبل الكتاب العربي وهو يتشكل بين ثلاث قوى: الورق، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي. الورق يحفظ للكتاب وقاره وإيقاعه البطيء الذي لا تتسع له الشاشات. والرقمنة تمنح الكتاب انتشارًا لا تحدّه الحدود، وتفتح أبوابًا جديدة للتوزيع والوصول. أما الذكاء الاصطناعي فهو القوة الثالثة التي قد تعيد تعريف “صناعة النشر” من جذورها: من التحرير اللغوي والمراجعة، إلى اقتراح العناوين، وتلخيص المحتوى، وتحليل اهتمامات القرّاء، وتطوير التسويق عبر البيانات. لكن هذا التحول لا ينبغي أن يُستقبل بوصفه معجزة أو تهديدًا مطلقًا؛ إنه أداة تتحدد قيمتها بميزانٍ أخلاقي وقانوني: حقوق المؤلف، عدالة الاقتباس، شفافية المصادر، وصون اللغة من التسطيح.
الذكاء الاصطناعي، إذا أُحسن توظيفه، يمكن أن يكون نصيرًا للكتاب العربي في مناطق طالما عانى فيها: الترجمة، الفهرسة، وإتاحة المحتوى للناشئة بلغة أقرب إلى أفقهم دون إخلال بصرامة المعرفة. ويمكنه كذلك أن يخفف أعباء دور النشر الصغيرة في التحرير الأولي وبناء البيانات الوصفية للكتب، وهي مفاتيح لا غنى عنها في عالم يعتمد على البحث والاكتشاف. لكنه في الوقت نفسه يفرض على المعارض الكبرى—ومنها معرض القاهرة—مسؤولية الارتقاء بالنقاش من سؤال “هل نستخدمه؟” إلى سؤال “كيف نستخدمه دون أن نجرح أمانة الكلمة؟”.
لهذا يبدو معرض القاهرة 2026—بما يعلنه من حضورٍ جماهيري وبما يلمّح إليه من اندماجٍ رقمي—رسالةً مزدوجة: أن الكتاب لم يمت، لكنه لن ينجو بالحنين وحده؛ وأن الرقمنة ليست خصمًا للقراءة، لكنها قد تصبح خصمًا للمعنى إذا انفلتت من قيم التحرير والمسؤولية. وفي المسافة بين “ورقٍ يُقرأ” و“شاشةٍ تُقلَّب”، تتحدد معركة الثقافة العربية المقبلة: أن تجعل من الكتاب فعلًا يوميًا، لا موسمًا؛ ومن الذكاء الاصطناعي خادمًا للمعرفة، لا بديلاً عنها.

