هناك علاقات لا تبدأ باختيار ولا تنتهي بغياب وفي مقدمتها علاقة الإنسان بأمه، تلك التي تعطي دون حساب، وتمنح دون انتظار، وتبقى في القلب مهما تغيّرت الأيام.

الأم ليست مجرد حضور في حياتنا بل هي الأصل الذي نقف عليه، والصوت الذي يهدينا حين نضيع، والقوة التي لا نراها لكنها تسندنا في كل خطوة، هي التي آمنت بنا حين ترددنا، وشجّعتنا حين خفنا، ومنحتنا الأمل والطاقة لنكمل كل ما بدأناه.

وفي هذا اليوم تختلف المشاعر ولا يختلف المعنى، هناك من يملك قربها، وهناك من يعيش على ذكراها، لكن البر يظل خيطًا ممتدًا لا ينقطع من فقد أمه لا يُحرم من برّها، فما زال الدعاء يصل، وما زال الحب حيًا، وما زال الوفاء يُكتب في كل عمل طيب يُهدى لها هي لم تغب، لكنها سكنت مكانًا أهدأ… في القلب والدعاء.

وأما من كانت أمه معه تنير حياته عليه أن يعلم بأن البر ليس منحصرا بأن ننتظر مناسبة، ولا أن نختصر حبنا في هدية، فالبر الحقيقي يظهر في التفاصيل الصغيرة، في كلمة دافئة، في سؤال صادق، في وقت نمنحه لها دون انشغال، في إحساسها بأنها دائمًا في المقدمة، لا في الهامش، أن نراها كما لم نرها من قبل، أن ننتبه لتعبها الذي تخفيه، أن نشكرها على ما اعتدناه حتى أصبح وكأنه عادي، بينما هو في الحقيقة أعظم ما نملك، البر لا يُقال بل يُعاش، هو علاقة يومية تُبنى بهدوء، حتى تصبح حبًا ثابتًا لا تهزه الظروف ولا تُقلله الأيام.

وفي عيد الأم لا يكون السؤال ماذا سنهدي، بل كيف نحب، وكيف نجعل هذا الحب يصل دون تأخير؛ لأن بعض القلوب لا تحتاج الكثير، فقط تحتاج أن تشعر.

وفي النهاية، ليس المهم ما نقدمه في هذا اليوم، بل ما يبقى منا في قلبها بعده، فإن كانت بقربك، فلا تؤجل برها، واقترب منها كأنك تخشى أن تصبح ذكرى، وإن كانت بعيدة فلا تظن أن الطريق انقطع، فما زال الدعاء يصل، وما زال البر يُكتب، وما زال الحب ممتدًا لا ينتهي. 

ويبقي في القلب دعاء أردده دوماً، اللهم احفظ أمي بعينك التي لا تنام
وأطل في عمرها على طاعتك، وأدمها لي سندًا وقوة ونورًا في طريقي، اللهم كما كانت سببًا في أملي، فاجعل السعادة لا تفارق قلبها
وارزقني برها كما تحب وترضى، ولا تحرمني وجودها ورضاها
وإن قصّرت يومًا، فاغفر لي تقصيري وارزقني قلبًا لا يغفل عن فضلها
فهي نعم العطاء، ونعم السند، ونعمة أحمدك عليها في كل حين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version