مع إعلان تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران عقب وفاة والده علي خامنئي، دخلت طهران مرحلة غامضة ومعقدة من السلطة السياسية، وسط تقارير متضاربة عن حالته الصحية تشير إلى احتمال تعرضه لإصابات خطيرة أو حتى وفاته. 

 أثارت هذه الحالة من الغموض  تساؤلات واسعة في واشنطن وتل أبيب حول من يمسك بزمام السلطة الفعلية في الجمهورية الإسلامية، وكيفية استمرار السيطرة على مؤسسات النظام الإيرانية أثناء هذه المرحلة الانتقالية الحساسة.

أجرى موقع صدى البلد حوارا مع السياسية الأمريكية إيرينا تسوكرمان، التي أوضحت أن واشنطن تتعامل مع هذه التقارير المتضاربة على أنها جزء من الارتباك المعتاد الذي يرافق انتقالات القيادة داخل الأنظمة السياسية المغلقة، خصوصا في أوقات الصراع، مشيرة إلى أن التركيز الأكبر يكون على مؤشرات السلطة الفعلية داخل إيران واستمرارية الأوامر العسكرية والسياسية عبر سلسلة القيادة، وليس على ظهور شخصية معينة علنًا. 

إيرينا تسوكرمان 

وأكدت تسوكرمان أن السؤال الأساسي في واشنطن لا يتعلق بظهور مجتبى خامنئي أمام العامة، بل بكيفية استمرار العمليات الإقليمية للنظام ووضعه الصاروخي واستجابته للأمن الداخلي دون أي اضطرابات.

وأضافت تسوكرمان أن هذه التقارير المتضاربة غالبا ما تعكس عدم استقرار داخلي مؤقت داخل النخبة الإيرانية، أو صراعات بين الأجنحة المختلفة، أو محاولات من النظام للتحكم في الرسائل الإعلامية، وأن غياب التأكيد الواضح لا يغير الافتراضات الاستراتيجية الأمريكية، لأن التخطيط الأمريكي يركز على استمرار مؤسسات النظام وفعالية عملها أكثر من الاعتماد على الأفراد.

سيناريوهات الخلافة والتمويه 

 

 وأشارت إلى أن واشنطن تفترض أن إيران أعدت سيناريوهات الخلافة قبل وفاة علي خامنئي بفترة طويلة، وأن النظام قادر على الصمود عبر مجالس دينية ونفوذ الحرس الثوري واستمرارية البيروقراطية، ما يجعل الغموض حول الحالة الصحية لمجتبى اختبارًا لقدرة النظام على البقاء وليس فراغًا في السلطة.

 

وتابعت تسوكرمان أن بعض التحليلات الغربية اقترحت أن تعيين مجتبى خامنئي قد يكون جزءًا من استراتيجية تمويه لإخفاء المرشد الحقيقي وحمايته من الاستهداف الأمريكي أو الإسرائيلي، لكنها اعتبرت هذا السيناريو ضعيف الاحتمال إلى حد كبير، مشيرة إلى أن النظام الإيراني يعتمد بشكل أساسي على الشرعية الدينية، وأن لقب المرشد الأعلى يحمل سلطة لاهوتية لا يمكن نقلها بسهولة إلى شخصية مخفية دون إضعاف المنطق الداخلي للنظام.

 وأضافت أن أي استراتيجية تمويه من هذا النوع قد تخلق مخاطر أكبر من الحماية، إذ أن ولاء المؤسسات الدينية والحرس الثوري يعتمد على وضوح السلطة وليس على الغموض.

وأوضحت تسوكرمان أن تعيين مجتبى خامنئي يتماشى أكثر مع نمط الاستمرارية الداخلية للنظام، وأن ارتباطه الطويل بالمؤسسة الأمنية وقربه من والده جعلاه خيارًا متوقعًا ضمن منطق بقاء النظام، مما يجعل تفسير تثبيت السلطة سريعًا أكثر منطقية من فكرة التمويه المتعمد. 

كما أشارت إلى أن اختيار شخصية دينية أقل شهرة لن يكون أساسا بهدف الحماية من الاستهداف، بل قد يخدم هدفًا داخليًا يتمثل في منح المؤسسة الأمنية مزيدًا من التأثير مع الحفاظ على الهيكل الديني الذي يفرضه الدستور، معتبرة أن السلطة في إيران تُقاس بالقدرة على اتخاذ القرارات والسلوك السياسي وليس بالشهرة الشخصية أو الظهور العلني.

وأكدت تسوكرمان أن الغموض حول هوية المرشد الأعلى الجديد يشجع الحذر في كل من واشنطن وتل أبيب، ويبطئ عمليات التصعيد الكبرى، لأنه يقلل من احتمال سوء تفسير الإشارات، ويجعل الأطراف الخارجية أكثر حرصًا قبل اتخاذ أي خطوة عسكرية أو سياسية كبيرة. 

ولفتت إلى أن التركيز الأمريكي والإسرائيلي ينصب على تحديد من يسيطر على الأسلحة الاستراتيجية والصواريخ والتنسيق مع الحلفاء الإقليميين، معتبرة أن استمرار هذا الهيكل المركزي يقلل من أهمية الغموض حول الشخصيات ويضمن استقرار الردع في هذه المرحلة الحساسة.

في ظل هذه التطورات، يبدو أن إيران ما زالت منظمة داخليا  والنظام الحالي لن ينهار، على الرغم من غموض القيادة العلني، فيما تتابع واشنطن وإسرائيل تقييم مراكز القرار الإيراني بعناية شديدة، لتجنب أي تصعيد غير محسوب خلال مرحلة الانتقال الحرجة للمرشد الأعلى الجديد، مع التركيز على استمرار العمليات الإقليمية للنظام والحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في المنطقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version