ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، عظته الأسبوعية في اجتماع الأربعاء مساء اليوم من كنيسة قانون الإيمان بأكاديمية القديس مار مرقس القبطية في دير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون.
وصلى قداسته صلوات العشية بمشاركة عدد من الآباء الأساقفة وكهنة كنائس منطقة الخليج، الذين يعقدون مؤتمرهم السنوي حاليًا بوادي النطرون، ورحب قداسة البابا بالآباء الكهنة وزوجاتهم وأبنائهم، معربًا عن تمنياته لهم بالاستفادة من هذا الأجواء الروحية الهادئة في الدير.
واستكمل قداسة البابا سلسلة “قوانين روحية للحياة”، وتحدّث اليوم عن “قانون الاستقامة”، وقرأ جزءًا من الأصحاح التاسع والعشرين في سفر أخبار الأيام الأول والأعداد (١٥ – ١٧)، وأشار إلى حديث داود النبي مع الله في الآية “أَنْتَ تَمْتَحِنُ الْقُلُوبَ وَتُسَرُّ بِالاسْتِقَامَةِ. أَنَا بِاسْتِقَامَةِ قَلْبِي انْتَدَبْتُ بِكُلِّ هَذِهِ” (١أخ ٢٩: ١٧)، لافتًا إلى أن الاستقامة هي خط يربط كل القديسين في كل مكان وزمان.
وأوضح قداسته أن الاستقامة لها أبعاد ثلاثة، وهي: استقامة مع النفس، واستقامة أمام الله، واستقامة تصنع السلام مع الناس.
استقامة النفس
وتناول قداسة البابا استقامة النفس، مشيرًا إلى أن استقامة النفس هي الطريق لقداسة حياة الإنسان، “لَا تَمِلْ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً” (أم ٤: ٢٧)، وكنيستنا الأرثوذكسية تعني الكنيسة المستقيمة في الرأي والفكر والسلوك.
وشرح قداسته تحديات الاستقامة في حياة الإنسان، كالتالي:
١- التطرف: كالمبالغة أو التهوين في الفكر والكلام والسلوك، وهي خطية تُفقد أمانة الإنسان، وكذلك في الممارسة الروحية، والعلاقة مع الآخرين، والإدانة، وعدم الثبات، بينما “الطريق الوسطى خلّصت كثيرين”.
وأوصى قداسته أن يكون شعار محاربة التطرف: “قليل دائم خير من كثير متقطع”.
٢- الكبرياء: فالكبرياء خطية أضاعت ناس مثل الهراطقة، “تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً، وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ” (أم ١٤: ١٢)، والخطية قد تلبس ثوب الفضيلة عند عدم استقامة الضمير.
وأوصى قداسته أن يرجع الإنسان في حياته إلى مشورة أب الاعتراف أو شخص له خبرة، وأن يكون دائم السؤال وطلب المعرفة، لأن “قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ” (أم ١٦: ١٨).
٣- الرياء: وهي خطية مزدوجة، لأن داخل وخارج الإنسان لا توجد استقامة، بينما في صلواتنا نقول: “أعط بهاءً للإكليروس” والبهاء يشمل نقاوة داخلية ولمعانًا خارجي، “هَذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي” (إش ٢٩: ١٣).
وأوصى قداسته أن يكون الإنسان منتبهًا أمام خطية الرياء لأنها تتفرع إلى خطايا كثيرة مثل التملق والكذب.
وأعطى قداسة البابا أمثلة من داخل الكتاب المقدس وخارجه عن شخصيات عاشت بالاستقامة، وهم:
– دانيال والفتية الثلاثة الذين برغم وجودهم في بلاد غريبة ولكنهم حافظوا على استقامة إيمانهم، واستقامة دانيال جعلت له سندًا، “إِلَهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي” (دا ٦: ٢٢).
– شهداء ليبيا والذين نشأوا في بلاد بسيطة وتعليمهم محدودًا، ولكن استقامتهم وحفظهم للإيمان جعلتهم بهذه الشهرة في العالم، حتى أن الكنيسة الكاثوليكية وضعتهم في تقويمها وأقامت مذبحًا لهم، والكنيسة الروسية أدرجتهم في السنكسار.
– صاحبة الفلسين التي باستقامتها وتطبيقها للوصية نالت مديحًا من السيد المسيح.
وقدم قداسته كيف نزرع الاستقامة في حياتنا، كالتالي:
١- الاهتمام بالأمور الصغيرة: مثال: الوقت ونظرة العين والكلمة والصداقة، حتى يتعلم الإنسان الصواب.
٢- رفض كل إغراء: مثلما فعل يوسف الصديق، والملكة “وَشْتِي”، “وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِنْسَانَ اللهِ (الشخص المستقيم)” (١تي ٦: ١١)، فالإنسان المستقيم يرفض كل إغراء.
٣- الحذر من الشخصية المنقسمة: التي تظهر في العلن بغير الخفاء، لذلك على الإنسان تقديم توبة يومية، فيعطيه الروح القدس استقامة، “قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي” (مز ٥١: ١٠).
٤- حفظ المشاعر نقية: لذلك كنيستنا وضعت الأصوام حتى إذا ابتعد الإنسان وسلك سلوكًا غير نقي يعود إلى الاستقامة، “لِذَلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ” (أع ٢٤: ١٦).



