أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن الصيام فريضة ربانية عظيمة، لم تُفرض عبثًا، بل جاءت لتحقيق مقاصد إيمانية وتربوية عميقة في حياة المسلم، موضحًا أن الآية الكريمة تناولت أصل فرض الصيام وبيّنت الحكمة من تشريعه في شهر رمضان المبارك.
وأوضح المركز أن الله تعالى خاطب المؤمنين بنداء خاص يحمل في طياته معاني التشريف والتنبيه، فقال: {يا أيها الذين آمنوا}، ليهيئ القلوب لتلقي أمر إلهي جليل، وهو فريضة الصيام، التي كتبها الله على هذه الأمة كما كتبها على الأمم السابقة، في إشارة واضحة إلى أن الصيام عبادة قديمة صاحبت مسيرة الإيمان عبر العصور.
وبيّن أن قوله تعالى: {كُتِبَ عليكم الصيام} يعني أن الصيام فريضة لازمة على كل مسلم ومسلمة، ممن توفرت فيهم شروط التكليف من البلوغ والعقل والإقامة والقدرة، وخلوهم من الأعذار الشرعية المبيحة للإفطار، وأن الصيام المقصود هو الامتناع عن شهوات البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في أيام رمضان.
وأشار المركز إلى أن الصيام من أعظم العبادات منزلة وأجلّها أجرًا، إذ اختص الله تعالى نفسه بتقدير ثواب الصائم، كما ورد في الحديث القدسي، لما في الصيام من إخلاص وتجرد، حيث يترك الصائم طعامه وشرابه وشهوته طاعة لله وحده.
وأكد أن الصيام الحق هو ما اقترن بالإيمان والاحتساب، وصانه صاحبه عن كل ما ينقص أجره من المعاصي الظاهرة والباطنة، كالغيبة والنميمة وأكل أموال الناس بالباطل، فمن حافظ على صيامه بهذه الصورة نال مغفرة الذنوب، وأُعد له الثواب العظيم، وكان من أهل باب الريان في الجنة.
وحذّر المركز من التهاون بحرمة الشهر الكريم، موضحًا أن من أفطر يومًا واحدًا من رمضان دون عذر شرعي، مجاهرًا بذلك، فقد عرّض نفسه للوعيد الشديد، ولا يعوض ما فاته صيام العمر كله، لعظمة الزمان وخصوصيته.
ولفت إلى أن الصيام لم يكن عبادة حصرية للأمة المحمدية، بل فرضه الله على أمم سابقة، لما له من أثر بالغ في تهذيب النفوس، وتقوية الإرادة، وتعويد الإنسان على الصبر والتحمل في أوقات الشدة، وإشاعة روح التكافل، حيث يشعر الغني بحاجة الفقير، والقوي بحال الضعيف، وتسمو الأرواح وتتعلق بخالقها في شهر القرآن والذكر.
وأوضح أن الغاية الكبرى من الصيام، كما ختمت بها الآية الكريمة، هي تحقيق التقوى في نفوس المؤمنين، أي إيجاد حاجز واقٍ بينهم وبين معاصي الله، من خلال الالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، ليخرج المسلم من رمضان بطاقة إيمانية متجددة تعينه على الاستقامة طوال العام.
ونبّه المركز إلى خطورة أن يقتصر بعض الناس على العبادة في رمضان فقط، ثم ينقطعوا عنها بانقضائه، معتبرًا ذلك سلوكًا يتنافى مع مقصود الصيام، الذي يهدف إلى دوام التقوى واستمرار الطاعة، امتثالًا لقوله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}.
وأكد أن الإسلام وضع للصيام أحكامه المنظمة من شروط وأركان وسنن ومحظورات، وأن على المسلم أن يميز بينها حتى يؤدي هذه العبادة على الوجه الصحيح الذي يرضي الله تعالى، فينال بها صحة العمل في الدنيا، وجزيل الثواب في الآخرة.


