شهدت قاعة «كاتب وكتاب» بـ«بلازا 1»، ضمن فعاليات الدورة 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، مناقشة موسوعة «آلهة الدم» للمستشار طاهر الخولي، وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب، بحضور الدكتور محمد فايز فرحات، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «الأهرام»، وجميل عفيفي، رئيس مركز الأهرام للنشر والترجمة، بإدارة الدكتور جمال عبد الجواد، المستشار بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية.
وقال الدكتور جمال عبد الجواد، إن طرح موسوعة «آلهة الدم» جاء في سياق عالمي مضطرب، نعاني فيه جميعًا من ظروف ضاغطة في العالم بأسره، ورغم ذلك، فإن هذه اللحظات الصعبة قد تكون مفيدة، لأنها تتيح الفرصة لصدور أعمال فكرية كبيرة، تتناول قضايا شائكة تمسنا وتمس غيرنا في الوقت نفسه.
وأضاف د. «عبد الجواد»، أن «موسوعة (آلهة الدم) تفتح باب النقاش حول عدد من الأوهام الشائعة المتعلقة بالإرهاب، مع تفكيك هذه التصورات ومراجعتها بقدر من الموضوعية والتحليل، والكتاب لا يسعى إلى الإدانة أو إعادة إنتاج الصور النمطية، ولا يهدف إلى تحميل فئة بعينها مسؤولية ما، بقدر ما يحاول تتبع مواطن القصور في بعض العقائد والأفكار، بعيدًا عن الإثارة أو التوظيف السياسي».
وواصل: «الموسوعة تتناول كيفية تصوير الإرهاب في بعض السياقات، وهو تصوير ارتبط في أحيان كثيرة بظروف أمنية محددة، وإجراءات بعينها، واجتماعات وقرارات معينة، ويؤكد الحاجة إلى مراجعة عقلانية، لفهم الظاهرة في سياقها الحقيقي دون تبسيط أو تعميم».
وأتم المستشار بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية بقوله: «هذا الكتاب يمثل جهدًا فكريًا جادًا، يضيف إلى النقاش العام، ويفتح مساحة ضرورية للتفكير الهادئ، في زمن نحن في أمسّ الحاجة فيه إلى التحليل الرصين، والابتعاد عن الأحكام الجاهزة».
بدوره، قال المستشار طاهر الخولي، مؤلف موسوعة «آلهة الدم»، إن الفكرة الدينية التي كانت تُطرح داخل بعض الجماعات الإرهابية، هي الدافع الأساسي الذي جعله يبحث ويتعمق في هذا الملف، إلى جانب الشائعات الكبرى والتفسيرات الشائعة، التي دفعته إلى التساؤل، ومن هنا بدأت رحلته البحثية، التي قادته إلى إعداد دراسة أكاديمية داخل الجامعة.
وأضاف «الخولي»: «من خلال العودة إلى القرآن الكريم، وبعد سنوات من الدراسة والتأمل، توصلت إلى قناعة واضحة، مفادها أن ما تطرحه هذه الجماعات لا يمثل جوهر الدين، ولا يعكس حقيقة الرسالة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الاكتشاف لم يكن لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم معرفي امتد على مدار سنوات طويلة من البحث والتحليل».
ورأى أن «المشكلة الحقيقية تكمن في التعصب لفكرة بعينها، أو توظيف الدين لخدمة توجه أو جماعة محددة، فحين يتحول النص الديني إلى أداة انتقائية، تُفقد معانيه الإنسانية والرحيمة، ويتم تقديمه في صورة مشوهة لا تخدم الدين ولا المجتمع».
وواصل: «هذه الدراسة جاءت كمحاولة لفهم الظاهرة في سياقها الحقيقي، وكشف الفجوة بين الخطاب الديني الصحيح وما تروّجه بعض الجماعات، بهدف تقديم قراءة أكثر وعيًا واتساقًا مع القيم الإسلامية والإنسانية على المستوى العالمي».
وشدد على أن «الدولة تتحمل مسؤولية أساسية في مواجهة واحدة من أخطر الإشكاليات، وهي تحويل النص الديني إلى سلاح»، معتبرًا أن «المشكلة لا تتعلق بدين بعينه، ولا بعقيدة محددة، لأن كل الأديان تحمل قيمًا سامية، لكن الخطر الحقيقي يكمن في توظيف الدين لخدمة أهداف سياسية أو أيديولوجية».
ونبّه إلى ضرورة عدم اختزال الدين في صراع أو عنف، وتجنب إعادة إنتاج خطاب يُستخدم فيه الإيمان كأداة للتبرير، لأن «الدين، في جوهره، لا يقوم على الحشد العاطفي ولا على التعبئة الإعلامية أو التدريبية، وإنما يقوم على الإيمان الصادق، والإخلاص، والإرادة الإلهية التي تحض على الخير لا على القتل أو الإقصاء».
وأعتبر أن الإشكالية الكبرى تظهر عندما يقتنع الفرد بأن ما يفعله، مهما كان خاطئًا أو إجراميًا، هو عمل يرضي الله، هنا يتحول الخطأ إلى فضيلة في نظره، ويُمنح العنف غطاءً دينيًا زائفًا، فيفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ.
وواصل: «الفكرة الخطيرة ليست في الإيمان ذاته، بل في استخدامه كوسيلة للوصول إلى غاية محددة، أو فرض تصور معين عن (الحق)، حين يُقنع الإنسان نفسه بأن ما يفعله هو تنفيذ لأمر إلهي، وأن القتل أو الإقصاء أو العدوان من أشكال الجهاد، نكون أمام انحراف عميق في الفهم الديني».
وأكمل: «هذا الانحراف هو ما يجب مواجهته بالفكر، وبالتعليم، وبإعادة الاعتبار لمعاني الدين الحقيقية، بعيدًا عن التأويلات المتطرفة التي تصنع العنف باسم العقيدة، وتشوّه الإيمان في جوهره الإنساني والأخلاقي».
أما الدكتور فايز فرحات، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «الأهرام»، فقال: «هذا العمل العلمي، من وجهة نظري، يُعد جهدًا بالغ الأهمية، لأنه يتناول ظاهرة شديدة التعقيد متعددة الأبعاد، ولا يمكن التعامل معها بمعزل عن سياقها التاريخي والثقافي والاجتماعي، فالكتاب لا يعيد طرح الظاهرة بشكل تقليدي، بل يعيد تفكيكها في ضوء التطورات العميقة التي شهدها العالم خلال الفترة الأخيرة».
وأضاف د. «فرحات»: «الأهمية لا تقتصر على الواقع العملي فقط، وإنما تمتد إلى المستوى النظري أيضًا، فالتغيرات التي أعقبت عام 2011، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع، فرضت ضرورة إعادة النظر في كثير من المفاهيم والتفسيرات السابقة، ومن هنا تأتي أهمية هذا العمل في إعادة إدارة النقاش حول الظاهرة، خاصة في ظل مطالبة عدد من الدول بمراجعة منظوماتها الفكرية والسياسية في التعامل معها».
وواصل: «هذا الجهد يحمل مسؤولية واضحة تجاه الأجيال القادمة، خاصة في ظل الإرث الكبير من الكتابات التي تناولت هذه القضايا سابقًا، سواء من حيث التفسير أو من حيث علاقتنا بالمجتمع والأسرة، غير أن ما يميز هذا العمل أنه يُقدَّم من باحث متخصص، يمتلك خبرة واسعة، واطلاعًا عميقًا على الأدبيات الفكرية والقانونية المرتبطة بالموضوع».
وأكمل: «يكتسب الكتاب أهميته أيضًا من كونه يأتي في سياق تاريخي بالغ الحساسية، إذ يعيد التمييز بين ما كان قائمًا قبل عام 2011 وما تلاه، فخريطة التنظيمات الدينية، وعلى رأسها تيارات الإسلام السياسي، كانت مختلفة تمامًا قبل هذا التاريخ، إذ وُجدت آنذاك تيارات معتدلة تمتلك أجندات سياسية واقتصادية واجتماعية، وكان من الممكن دمجها في الحياة السياسية».
وزاد رئيس مجلس إدارة مؤسسة «الأهرام»: «التجارب التي أعقبت عام 2011، وما ارتبط بها من تحولات كبرى، فرضت مراجعة شاملة لهذه الخريطة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذه التنظيمات، وأدوارها، وحدود اندماجها في المجال العام، في ضوء ما أفرزه الواقع الجديد بعد ما عُرف بالربيع العربي»، معتبرًا أن «هذه الإضافة واحدة من أهم إسهامات العمل، لأنها تسعى إلى تحرير مفهوم الإرهاب من اختزاله في جيل بعينه، أو ربطه بالإسلام أو بالمسلمين بشكل مباشر».
وأوضح أن الجزء الأول يبين أن ظاهرة التطرف والإرهاب أكثر تعقيدًا من هذا التبسيط، وهو ما كان واضحًا في الموسوعة، التي أشارت إلى أن بعض النظريات اختزلت الإرهاب في السلفية وغيرها، متجاهلة السياقات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية الأوسع.
وأضاف: «لفترات طويلة، سيطرت المقاربات الاجتماعية والنظرية الفرنسية على دراسة الإرهاب، مع تركيز واضح على البعد الجماعي، دون الاهتمام الكافي بالاستعدادات الفردية أو البعد التربوي، كما ظهرت لاحقًا محاولات تفسير الإرهاب من منظور اقتصادي، تربطه بالفقر أو التهميش أو التخلف، أو من منظور سياسي يربطه بواقع ديمقراطي أو استبدادي معين».
من جهته، قال جميل عفيفي، رئيس مركز الأهرام للنشر والترجمة، إن بعض الجماعات المتطرفة تعتمد على إعادة إنتاج نفسها مرة بعد أخرى، من خلال اللعب على مشاعر الأجيال الجديدة، ومحاولة استقطابهم عبر خطاب عاطفي يوظف الدين بشكل مشوه، محذرًا من أن «هذه المحاولات المستمرة لإعادة نشر أفكار قديمة في ثوب جديد تمثل خطرًا حقيقيًا، لأنها تستهدف الوعي قبل أي شيء آخر».
وأضاف «عفيفي»: «عندما طُرحت هذه القضايا داخل المركز، وبحضور ممثلي الدولة، كان واضحًا أن جوهر الأزمة يتمثل في توظيف الدين لتبرير القتل والتوسع باسم الله، وهذا النوع من الخطاب لا علاقة له بالدين في جوهره، لأن الأديان بطبيعتها رحيمة، ولا يمكن أن تكون غطاءً لإرهاب لا يعرف الرحمة أو الإنسانية».
وواصل: «المشكلة أن بعض الجماعات تمنح نفسها ثقة زائفة لتنفيذ أهدافها، وتتعامل مع فكرها الجمعي باعتباره الحقيقة المطلقة، فتُصنّف كل ما هو ضد أفكارها باعتباره عدوًا للبشرية، في هذا السياق، يتحول العنف إلى قيمة، ويصبح القتل وسيلة، وهو ما يمثل انحرافًا خطيرًا في فهم الدين والمعنى».


