تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا مضمونه: ما حكم الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي كـ “شات جي بي تي” في تفسير القرآن الكريم؟

وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: الاعتمادُ الكُلِّيُّ على تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ كـ(شات جي بي تي) في تفسير القرآن الكريمِ أمرٌ ممنوعٌ شرعًا، ولا تُتَلَقَّى معانيه منها استقلالًا؛ صيانةً لكتابِ الله تعالى عن الظنِّ والتخمين، وعن أن يُتداوَل تفسيرُه بغير علمٍ، أو يُنسبَ إليه ما لم يثبت عن أهله، وقصرًا للخوضِ في معانيه على من تحقَّق بأدواتِ التفسير وضوابطه المعتبرة من المفسِّرين والفقهاء المعتبرين.

وشددت الإفتاء على وجوبَ الرجوع في تفسير آياتِ القرآن الكريم وفهمِ معانيه إلى كتبِ التفاسير المعتمدة، أو بالاستفسار وسؤال أهلِ العلم المتخصصين الثقات والمؤسساتِ الدينيةِ المختصَّة عبر الوسائلِ المتاحة؛ صيانةً لكتابِ الله تعالى، وتحرِّيًا للفهم الصحيح القائم على العلم والأمانة والمعرفة.

حكم الاعتماد في تفسير القرآن الكريم على الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي من جملةِ التقنياتِ الحديثةِ التي تهدفُ إلى فهمِ طبيعةِ الذكاءِ الإنساني، عن طريقِ تصميمِ برامجَ حاسوبيّةٍ قادرةٍ على محاكاةِ السلوكِ الإنسانيِّ المتسمِ بالذكاء، كما في “الذكاء الاصطناعي واقعه ومستقبله” لآلان بونيه، ترجمة: د. علي صبري فرغلي (ص: 11، ط. عالم المعرفة).

ويُعَدُّ برنامج “شات جي بي تي” (ChatGPT) -باعتباره واحدًا من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة- روبوت محادثة طورته شركة “أوبن إيه أي” (Open AI) الدولية بطريقة تحاكي لغة البشر في السرد والبناء اللغوي، ويُعرَّف بأنه برنامج يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي التوليدي، قادرٌ على الإجابة عن الأسئلة وإنشاء النصوص اعتمادًا على الأوامر التي يقدمها المستخدمون، ونظرًا لاتساع قاعدة البيانات التي يستند إليها، فإنه يستطيع الإجابة على شريحة هائلة من الأسئلة في مجالات متنوعة، كما في “شات جي بي تي: استخداماته، مخاطره، مستقبله” للدكتور/ فتحي حسين عامر (ص: 41، ط. العربي)، و”استخدام تقنية ChatGpt كأداة ذكية لتحليل البيانات” مجلة المصرية لعلوم المعلومات، العدد الأول، المجلد الحادي عشر (ص: 508، 519).

ومن ثمَّ فإن برنامج “شات جي بي تي” يعتمد في تشغيله وإنتاج أجوبته واستجاباته على تقنيات التعلُّم العميق (Deep Learning)، حيث جرى تغذيته وتهيئته بكَمٍّ واسع من البيانات النصية والمحادثات، ليقوم بمعالجة مدخلات المستخدم آليًّا، ثم توليد استجاباتٍ تتوافق مع سياق الحوار وفق أنماط إحصائية وخوارزميات محدَّدة، فبعد إدخال الطلب وحفظ المحتوى في قاعدة معارفه وتسجيل تاريخ التفاعلات ينتقل النظام إلى مرحلة معالجة اللغة الطبيعية، حيث يقوم بتحليل طلب المستخدم وتحديد مقصده، ثم يبحث عن المعلومات المرتبطة بالسؤال ويولّد الرد الأنسب، دون أن يكون ذلك ناتجًا عن فهمٍ حقيقيٍّ أو إدراكٍ قصدي، وإنما عن معالجة آلية للمحتوى وفق ما أُمدَّ به من بيانات ونماذج.

وبناءً على هذه الآلية في العمل، فإن مخرجات روبوت الدردشة “شات جي بي تي” تظلُّ محتملةً للصواب والخطأ؛ إذ هي ثمرةُ تركيبٍ آليٍّ للمعطيات المتمثِّلة في مواد علمية وأكاديمية، ونصوصٍ منشورةٍ على شبكة الإنترنت، إضافةً إلى البيانات التي يزوِّده بها المستخدمون، والتي قد تكون غير دقيقة، مما يجعله -مع غيره من الأسباب- يعاني من جوانب قصور متعددة، فضلًا عن إعطائه إيهامًا للمستخدم بمعرفة جميع الأمور، رغم أنه غير قادر على فهم المواضيع المطروحة التي يعالجها، وهذا ما أقرته الشركة المؤسسة والمالكة له “أوبن إيه أي” بأن: “شات جي بي تي” يكتب أحيانًا إجابات تبدو معقولة ولكنها غير صحيحة أو لا معنى لها، وهو سلوك شائع في النماذج اللغوية الكبيرة ويسمى “هلوسة الذكاء الاصطناعي”. ينظر: “شات جي بي تي” للدكتور/ فتحي عامر (ص: 23- 25).

المفاسد المترتبة على الاعتماد في تفسير القرآن الكريم على الذكاء الاصطناعي
إذا تقرَّر ما سبق من حقيقةِ التفسير، وخطورةِ القول فيه، وضرورةِ ضبطه بالشروطِ الأدبية والعلمية والمعرفية والمنهجية، فإنَّ النظرَ في آلياتِ تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعي بوضعها الراهن يَمنعُ من الاعتماد عليها في تفسيرِ القرآنِ الكريم، أو اتخاذِ ما تُنتجه مصدرًا مستقلًّا للفهمِ والتأويل؛ وذلك لعدم تحقُّقِ الشروط المتقدِّمة، ولِما يكتنف هذا الاعتمادَ من مفاسدَ شرعيةٍ ومنهجيةٍ جسيمة.

ومن أبرز هذه المفاسد: جهالةُ المصدر، وعدمُ إمكانِ التحقُّق من سلامةِ المنقول؛ إذ إنَّ أنظمةَ الذكاءِ الاصطناعيِّ لا تصدر عن أهلِ اختصاصٍ معيَّنين، ولا تلتزمُ منهجًا علميًّا محرَّرًا في التفسير، وإنما تُنتجُ إجاباتِها اعتمادًا على معالجاتٍ آليةٍ لموادَّ متنوِّعةٍ جُمعت من مصادرَ متعدِّدة، مختلفةِ اللغات، متباينةِ المناهج، متناقضةِ المرجعيات، وقد يكون في جملتها ما هو غيرُ إسلاميٍّ، أو محرَّف، أو مشوَّه، أو صادرٌ عن غيرِ المؤهَّلين.

وهذا كلُّه يورثُ عدمَ الوثوق بالمحتوى التفسيري الناتج عنها، ولا سيما في حقِّ غيرِ المتخصص -الذي لا يملكُ أدواتَ التمييزِ والنقدِ والموازنةِ بين الأقوال، ولا القدرةَ على الرجوعِ إلى المصادرِ المعتبرة في هذا الفن من العلوم-، فيُخشى عليه من الوقوعِ في التفسيرِ بالرأي المذموم، أو تلقِّي معانٍ فاسدةٍ تُنسبُ إلى كتابِ الله تعالى بغير علمٍ، وقد تقرَّر شرعًا خطورةُ القول في القرآن بغير علمٍ، ووجوبُ صيانته عن أن يكون مجالًا للتجريب أو النقل غير المنضبط.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version