في عالم الروبوتات الحديثة، ظل المهندسون لسنوات طويلة أمام معادلة صعبة لا حل وسط لها، فإما أذرع روبوتية قوية قادرة على حمل الأوزان الثقيلة لكنها تفتقر إلى الدقة والنعومة فتتلف الأجسام الهشة، أو أذرع لينة مرنة تتعامل بلطف لكنها تعجز عن أداء المهام التي تتطلب قوة وتحمل، وهذا التحدي الكبير حد من استخدام الروبوتات في مجالات دقيقة مثل فرز الأغذية، والعمليات الجراحية، والتطبيقات الصناعية الحساسة.
وسط هذا الإشكال العلمي، برزت فكرة مبتكرة للباحثة الشابة سلمى أشرف سليمان من محافظة الغربية، لتقدم حلا جديدا عبر ابتكار روبوتي يحمل اسم “FlexiGripper”، وهو قابض روبوتي مرن يجمع بين القوة والدقة في آن واحد، مستوحى من التكوين الحيوي لأصابع الإنسان، مع تصميم داخلي مستلهم من الطبيعة البحرية.
ويعتمد الابتكار على هيكل داخلي مرن يشبه في بنيته فقرات الأسماك، تم دمجه داخل أصابع سيليكونية مزدوجة، ما يمنح القابض قدرة فريدة على التكيف مع طبيعة الأجسام المختلفة، فهو قادر على الالتفاف حول الأجسام شديدة الحساسية مثل البيض دون إتلافها، وفي الوقت ذاته يستطيع رفع أحمال أكبر بكثير من قدرات النماذج التقليدية، بزيادة كفاءة تصل إلى نحو 3.5 أضعاف.
ولم يقتصر التطوير على الجانب الميكانيكي فقط، بل تم تزويد النظام بوحدة رؤية اصطناعية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI Vision) تتيح له التعرف على الأجسام وتحديد نوع القبضة المناسبة تلقائيا، سواء كانت قبضة دقيقة لالتقاط الأجسام الصغيرة، أو قبضة احتوائية للأجسام الأكبر حجما.
كما يدعم الابتكار نظام استشعار متقدم يوفر تغذية راجعة فورية لقوة الإمساك، مما يضمن التحكم الدقيق في الضغط ومنع إتلاف المواد الهشة، الأمر الذي يعزز من مستوى الأمان والكفاءة في الاستخدام.
ومن أبرز ما يميز هذا المشروع كذلك هو البعد الاقتصادي، حيث نجحت سلمى في تطوير “FlexiGripper” بتكلفة أقل تصل إلى نحو 91% مقارنة بالحلول التجارية المتاحة، وهو ما يفتح المجال أمام استخدامه في قطاعات متعددة، بما في ذلك المستشفيات والمؤسسات الصغيرة التي تبحث عن حلول متقدمة بتكلفة مناسبة.
ويعد هذا الابتكار خطوة مهمة نحو جيل جديد من الروبوتات القادرة على التفاعل مع العالم الحقيقي بمرونة تشبه الإنسان وقوة تضاهي الآلة، ليضع حدا للمعادلة التقليدية بين “القوة” و”اللطف” في التصميم الهندسي.
وتجسد هذه التجربة نموذجا ملهما لإبداع الشباب المصري في مجالات العلوم والتكنولوجيا، مع دعاء بأن يبارك الله في هذا الإنجاز وينفع به.
وفي هذا الصدد، قال أشرف سليمان، والد سلمي: “ابنتي الرائعة المجتهدة.. أنا فخور بها إلى عنان السماء، فقد حققت إنجازا رائعا بعد جهد كبير استمر لأكثر من سنتين ونصف من العمل المتواصل، لم تعرف فيها الراحة، وبذلت فيها الليل بالنهار من أجل حلمك”.

وأضاف والد سلمي- لـ “صدى البلد”: “رغم أن الإمكانيات الإلكترونية المتاحة كانت متواضعة، إلا أنك تمكنت من التغلب على كل المعوقات بفضل الله أولا، ثم بالعمل الدؤوب والصبر الذي لا حدود له، والإصرار العجيب على الوصول وتحقيق الهدف”.
وتابع: “ابنتي سلمى في الصف الثاني الثانوي، في السابعة عشر من عمرها، منذ أن أنهت المرحلة الإعدادية وهي في الصف الثالث الإعدادي بدأت تفكر بجدية في المجال الذي تحبه وترغب في دراسته.. وبعد فترة من التفكير والبحث، أخبرتني بأنها تريد أن تتجه إلى مجال الروبوتات، ومن هنا بدأت رحلتها الحقيقية”.
وأردف: “كانت حريصة على التعلم منذ البداية، وبدأت تطلب بعض الأدوات البسيطة من مواقع إلكترونية لتساعدها على التعرف على أساسيات الروبوتات وبناء أولى تجاربها، شيئا فشيئا بدأت تنجز أعمالًا صغيرة يوميا، وكانت تسعد بها سعادة كبيرة وكأنها تحقق إنجازا ضخما في كل مرة.. وما كان يلفت نظري دائما هو إصرارها وحماسها، فقد كانت تنتظرني كل صباح قبل ذهابي إلى عملي لتعرض علي ما أنجزته في اليوم السابق، وكانت فرحتها بالإنجاز تدفعها للاستمرار والتطور بشكل أكبر يوما بعد يوم”.
واختتم: “الحمد لله، كانت هذه البدايات البسيطة هي الخطوة الأولى في طريق طويل من الاجتهاد والطموح حتى وصلت لما هي عليه الآن”.
من جانبها، قالت والدة سلمي، بعد فخرها الكبير بابنتها: “الحمد لله دائما وأبدا، أنا فخورة جدا ببنتي سلمى وبأولادي كلهم، وربنا يديم عليهم النجاح والتوفيق.. سلمى تعبت كثيرا واجتهدت، وربنا سبحانه وتعالى أكرمها على قد تعبها وسعيها.
وأضافت والدة سلمي- خلال تصريحات لـ “صدى البلد”: “أكثر من سنتين ونصف وهي تشتغل على نفسها وتتعب وتسهر وتتعلم وتطور من مشروعها بكل إصرار وطموح، والحمد لله رب العالمين شافت ثمرة تعبها ورفع قدرها وحقق لها ما كانت تتمناه”
وتابعت: “سافرت معاها القاهرة والإسكندرية، ومدينة السادس من أكتوبر، وغيرها العديد من المناطق للاشتراك في المسابقات أو أماكن أخرى للتعليم”.
ومن جانبها، قالت داليا ربيع، أحد أقارب سلمي: “سلمى بنت قرية ميت السودان التابعة لمحافظة الغربية بمدينة طنطا، بدأت رحلتها التعليمية بشكل بسيط جدا، حيث درست في الثانوية بالقرية بشكل عادي، ثم التحقت بمركز التطوير التكنولوجي، وهناك بدأ الاهتمام الحقيقي بموهبتها وقدراتها، وبدأت من الصفر بخطوات ثابتة وطموح كبير”.
وأضافت ربيع- خلال تصريحات لـ “صدى البلد”: “الحمد لله، استطاعت أن تلمع في محافظة الغربية وتحديدا في طنطا وسط أهل بلدها، وكان للدعم الكبير من القائمين على مركز التطوير التكنولوجي أثر عظيم فيما وصلت إليه اليوم.. ونخص بالشكر والتقدير قسم التطوير التكنولوجي بقيادة سهام فتحي شمردل، التي اهتمت بسلمى وبمشروعها اهتماما كبيرا، وقدمت لها كل الدعم والتشجيع حتى وصلت لهذه المكانة العلمية المشرفة، اللهم بارك”.
وأشارت: “وقد كانت سلمى من ضمن الطلبة الفائزين في مسابقة ISEF بمعرض العلوم والتكنولوجيا، والذي أُقيم بكلية الطب بجامعة طنطا يوم الثلاثاء الموافق 2025/12/2، وهو المعرض المحلي على مستوى محافظة الغربية والمؤهل للتصعيد إلى معرض مكتبة الإسكندرية في شهر فبراير للمنافسة على المستوى العالمي”.
واختتمت: “وقد قام بالتحكيم نخبة متميزة من أساتذة جامعة طنطا في مختلف المجالات العلمية الخاصة بالمسابقة، والحمد لله كان هذا النجاح ثمرة تعب واجتهاد ودعم من كل من آمن بموهبتها”.
ونرصد مميزات ابتكار “FlexiGripper”، التي جاءت كالتالي:
يجمع بين القوة والدقة في الأداء، ما يحل معضلة التوازن بين التعامل مع الأجسام الثقيلة والهشة.
يتميز بمرونة عالية تسمح له بالتكيف مع مختلف أشكال وأحجام الأجسام.
قادر على التعامل مع الأجسام شديدة الحساسية مثل البيض دون إحداث أي تلف.
يمتلك قدرة رفع وتحمل أعلى من النماذج التقليدية بنسبة تصل إلى 3.5 أضعاف.
يعتمد على هيكل داخلي مستوحى من فقرات الأسماك يمنحه توازنابين الصلابة والمرونة.
مزود بنظام رؤية ذكية (AI Vision) للتعرف التلقائي على الأجسام وتحديد نوع القبضة المناسبة.
يختار تلقائيا بين القبضات المختلفة (الدقيقة أو الاحتوائية) حسب طبيعة الجسم.
يحتوي على حساسات متقدمة توفر تغذية راجعة فورية لقوة الإمساك.
يضمن التحكم الدقيق في الضغط مما يمنع إتلاف المواد الهشة أثناء التعامل معها.
يتميز بكفاءة اقتصادية عالية حيث تقل تكلفته بنسبة تصل إلى 91% مقارنة بالحلول التجارية.
قابل للتطبيق في مجالات متعددة مثل المستشفيات، فرز الأغذية، والصناعات الدقيقة.
يفتح آفاقا جديدة لتطوير روبوتات أكثر أمانا ومرونة في التعامل مع البيئة البشرية.


