تواصل الهيئة المصرية العامة للكتاب، تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي القائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء إبراهيم أحمد أبو ليمون، محافظ بورسعيد، فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض بورسعيد التاسع للكتاب، من خلال تنظيم ندوة بعنوان «حكايات شعبية من بورسعيد»، ضمن الأنشطة الثقافية المصاحبة للمعرض.
شارك في الندوة الكاتب سامح الجباس، والباحث عبد السلام الألفي، والشاعر محمد عبد القادر، وأدارها الشاعر محمد رؤوف، وشهدت استعراضًا لعدد من الحكايات الشعبية والمرويات التاريخية التي ارتبطت بمدينة بورسعيد، إلى جانب مناقشة أهمية الحفاظ على التراث الشفهي باعتباره أحد مكونات الهوية الثقافية المصرية.
وقال الكاتب سامح الجباس إن الحكايات الشعبية تمثل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الجمعية لأهالي بورسعيد، فهي ليست مجرد قصص تُروى، بل سجل حي يعكس تاريخ المدينة وتطورها، ويكشف عن قيم المجتمع وعاداته ومعتقداته عبر الأجيال.
وأضاف أن الإنسان لجأ منذ القدم إلى الحكاية لتفسير الظواهر التي عجز عن فهمها، فظهرت الأساطير المرتبطة بالبحر والغرق والنداهة وعروسة البحر، كما ارتبطت الحكايات الشعبية بالأبطال والسير وقصص الحب التي شكلت وجدان الناس.
وأشار إلى أن تاريخ بورسعيد لا يبدأ مع حفر قناة السويس، بل يمتد إلى مدن عريقة مثل الفرما والطينة وتنيس، التي حفظت كتب التاريخ تفاصيلها وحضارتها ودورها التجاري والثقافي، مؤكدًا أن استعادة هذه الحكايات اليوم لا تهدف إلى استرجاع الماضي فقط، وإنما إلى الحفاظ على الهوية الثقافية للمدينة، ونقل تراثها الشفهي إلى الأجيال الجديدة باعتباره أحد أهم مكونات الشخصية المصرية.
وأوضح الجباس أن الحكاية الشعبية في بورسعيد ارتبطت أيضًا بشخصيات تركت أثرًا في الوجدان الشعبي، مثل أبو العربي البورسعيدي، الذي جسد روح الفكاهة والذكاء الشعبي، إلى جانب الأغاني والمواويل التي كانت تُردد في المناسبات الاجتماعية وأسهمت في توثيق تفاصيل الحياة اليومية لأبناء المدينة، لتصبح جزءًا من تراثها غير المادي.
وشدد على أن الحفاظ على هذا التراث مسؤولية جماعية تبدأ بتوثيق الروايات الشفوية، وتشجيع الباحثين على جمعها ودراستها، وتقديمها للأجيال الجديدة في صورة كتب وأعمال فنية وندوات ثقافية.
من جانبه، تناول الباحث عبد السلام الألفي في مداخلته تجربة تهجير أبناء بورسعيد عقب حرب يونيو 1967، معتبرًا أنها تمثل واحدة من أهم صفحات الذاكرة الشعبية للمدينة. وأوضح أن مرحلة الصمود بدأت بعد معركة رأس العش، التي حافظت على بورفؤاد باعتبارها الجزء الوحيد من سيناء الذي لم يقع تحت الاحتلال، وانطلقت بعدها حرب الاستنزاف التي وصفها الاحتلال بأنها بداية الحرب الحقيقية.
وأضاف أن بناء حائط الصواريخ استلزم إخلاء مدينة بورسعيد بالكامل عام 1969، حيث جرى توزيع الأسر على 14 محافظة خلال فترة زمنية قصيرة، مع إنشاء شبكة متابعة لحل مشكلات المهجرين، بينما بقي نحو 15 ألف مواطن داخل المدينة ليكونوا سندًا للقوات المسلحة. ودعا إلى توثيق أسماء العاملين في الجهازين التنفيذي والشعبي خلال تلك المرحلة، وإنشاء أرشيف متكامل يحفظ ذاكرة بورسعيد للأجيال القادمة.
بدوره، أكد الشاعر محمد عبد القادر أن الحكاية الشعبية ليست مجرد وسيلة للتسلية، لكنها مرآة تعكس روح المكان والإنسان، وتحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا تسجلها كتب التاريخ. وأضاف أن بورسعيد تمتلك تراثًا شفهيًا ثريًا صنعه الصيادون وأهالي المدينة، وتناقلته الأجيال حتى أصبح جزءًا من هوية المدينة ووجدانها.
وأشار إلى أن كثيرًا من الحكايات الشعبية ارتبطت بالبحر، باعتباره مصدر الرزق وعالمًا مليئًا بالغموض، فظهرت الأساطير المرتبطة بمردة البحر ونداهة البحيرة وملكة الجان، إلى جانب حكايات الصيادين التي مزجت بين الواقع والخيال.
كما لفت إلى أن التراث الشعبي يضم أيضًا قصص الأبطال الشعبيين، مثل أبو دنيا، الذي تحول إلى رمز للشجاعة والتضحية في الوجدان البورسعيدي، مؤكدًا أن توثيق هذا التراث وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة يمثل واجبًا ثقافيًا يسهم في حماية الهوية الوطنية.
وشهدت الندوة عددًا من المداخلات، حيث دعا الكاتب أسامة المصري وزارة الثقافة إلى إنشاء أرشيف متكامل للتراث البورسعيدي، يتضمن الحكايات الشعبية والأغاني والمواويل والموروث الشفهي، بما يسهم في حفظ هذا التراث من الاندثار وإتاحته للباحثين والمهتمين.
كما استعرض عبد الفتاح البيه الجذور التاريخية لمدينة بورسعيد، موضحًا أن المنطقة عرفت عبر العصور بأسماء متعددة، منها «برامون» و«براما» ثم «الفرما»، مشيرًا إلى أنها كانت واحدة من أهم الثغور المصرية على البحر المتوسط، وارتبطت بمدن تاريخية مثل تنيس، التي ازدهرت في مجالات التجارة وصناعة النسيج وبناء السفن، قبل أن تتعرض للتدمير وتندثر مع مرور الزمن.
وأكد أن ما تحمله تلك المدن من تاريخ وحضارة يمثل جزءًا أصيلًا من ذاكرة بورسعيد، ويستحق المزيد من الدراسة والتوثيق، باعتباره أحد أهم روافد التراث المصري.


