ثبت في أحاديث نبوية صححية أن ظهور المسيح الدجال يكون من جهة المشرق، وتحديدًا من أرض تُسمّى خراسان، وجاء في الحديث أن أكثر من يتبعه في البداية يكونون من أصفهان، وهي مدينة في إيران اليوم، ومنهم عدد كبير من اليهود، وقد ورد في الحديث عن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ أَرْضِ المَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ، يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطَرَّقَةُ»، وورد أيضًا: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْفَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا».
ويسبق ظهور المسيح الدجال ثلاث علامات تسبقه، وينتظهرها أتباعه من اليهود، وهي: العلامة الأولى: أن تغيض بحيرة طبرية، والعلامة الثانية: أن يقطع نخل بيسان، والعلامة الثالثة: أن تغيض عين زغر.
من هو المسيح الدجال؟
المسيح الدجال أخطر وأهم علامات الساعة بشقيها الصغرى والكبرى، فما من نبي إلا وحذر أمته من المسيح الدجال، وبين لهم صفاته وهيئته، بل إن خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد أرشد أمته لما يحصنهم منه قبل أن يرسله الله تعالى إلى أهل الأرض، فمن هو المسيح الدجال؟ وما هي صفاته؟ وكيف يتقي المسلمون شره؟، هذا ما نوضحه في التقرير التالي.
المسيح الدجال
لم يرد ذكر المسيح الدجال في القرآن الكريم إلا أن السنة النبوية المطهرة دلت عليه في كثير من الأحاديث منها ما ورد عَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ نَبِيٍ إلاَّ وَقَدْ أنْذَرَ أمَّتَهُ الأعْوَرَ الْكَذَّاب، ألاَ إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ ربَّكُمْ عَزَّ وجلَّ لَيْسَ بأعْورَ، مكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر” مُتَّفَقٌ عليه. وَعَنْ أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ألا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبيٌّ قَوْمَهُ، إنَّهُ أعْوَرُ وَإنَّهُ يجئُ مَعَهُ بِمثَالِ الجَنَّةِ والنَّارِ، فالتي يَقُولُ إنَّهَا الجنَّةُ هِيَ النَّارُ”. متفقٌ عليهِ.
فيما جاء عَنْ ابنِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَاني النَّاس فَقَالَ: إنَّ اللَّه لَيْسَ بأَعْوَرَ، ألاَ إنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ الْعيْنِ الْيُمْنى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبةٌ طَافِيَةٌ متفقٌ عليه. وعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّى قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنْ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلا حَجْرَاءَ فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ” رواه أبو داود.
ويوضح ابن حجر في كتابه “فتح الباري”، الحكمة فى عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى فى الصلاة، أنه ذكر فى قوله تعالى “يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا” فقد أخرج الترمذى وصححه عن أبى هريرة رفعه: ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها”.
كما أنه “قد وقعت الإشارة فى القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم فى قوله تعالى “وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ»، وفى قوله تعالى: “وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ»، وصح أنه الذي يقتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة وعيسى مسيح الهدى”.
متى يظهر الدجال؟
يقول الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء في حديثه عن المسيح الدجال وعلامات الساعة: “يحكي لنا النبيُّ ﷺ أن شخصًا مفسدًا سيخرج في آخر الزمان بإرادة الله سبحانه وتعالى كنوعٍ من أنواع الامتحان والاختبار والفتنة، وأنه شرير، وسماه ﷺ بالمسيح الدجال، وذلك أنه سوف يدعي أنه عيسى، ولكنه كذَّاب، وأن هذا الرجل له علامة لا تخطئُهُ العين، وهو أنه أعور، عينه عوراء ممسوحة، والعين الثانية جاحظة كزبيبة.
إذن منظره مشوه، كلُّ من نظر إليه عرفه، إلا أنه في حالة الهرج العقلي الذي تعيش فيه تلك العصور حيث نصدق الكذاب، ونكذب الصادق، وحيث نأمر بالمنكر، وننهى عن المعروف، وحيث نقطِّع أرحامنا فيما بيننا، وحيث نفتقد المقياسَ والمعيارَ، وحيث يتصدر غير المتخصصين في كل التخصصات في غير تخصصاتهم. فينطق الدجال في الطب، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، كما ينطق في الدين”.
وأبرز المفتي الأسبق، ثلاث علامات تسبقه، وهي: العلامة الأولى: أن تغيض بحيرة طبرية، والعلامة الثانية: أن يقطع نخل بيسان، والعلامة الثالثة: أن تغيض عين زغر؛ أما بحيرة طبرية فقد غاضت منذ نحو أكثر من ثلاثين سنة، وأما نخل بيسان فانقطع من أكثر من ستين سنة، وعين زغر هذه الكلمة زغر هي قريةٌ صغيرةٌ بجوار البحر الميت.
قال الدكتور يسري جبر، من علماء الأزهر الشريف، إن خروج المسيح الدجال سيكون في وقت يتمكن فيه من قيادة الشر لقرون طويلة في الخفاء، قبل أن يُعلن عن نفسه ويظهر جهارًا، فيحدث بذلك فتنة عظيمة تجتاح كل بلاد العالم باستثناء مكة والمدينة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وأكد الدكتور يسري جبر، خلال تصريحات تلفزيونية، اليوم الجمعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس من بلد إلا سيدخله الدجال، إلا مكة والمدينة”، وأنه رغم اجتهاد بعض العلماء في إدخال بيت المقدس ضمن المدن التي لا يدخلها الدجال، فإن القياس هنا فيه نظر، لأن اليهود – وهم من أتباع الدجال – يعيشون فيها، والدجال منهم، وبالتالي نلتزم بالنص النبوي الواضح في الاقتصار على مكة والمدينة فقط
مدة ظهور الدجال العلني هي أربعون يومًا
وأوضح الدكتور يسري جبر أن مدة ظهور الدجال العلني هي أربعون يومًا، وخلال هذه المدة سيجوب الأرض كلها، بما يُهيئ له من وسائل انتقال سريعة ودعاية واسعة تجعله مرئيًا للناس في كل مكان – عبر التلفاز أو الهواتف أو غيرها – حتى تدخل فتنته كل بيت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
وأشار الدكتور يسري جبر إلى أن الله سبحانه وتعالى يحفظ مكة والمدينة بملائكة يقفون حرسًا على مداخلها، فلا يستطيع الدجال الدخول إليهما، وقال إن الدجال عندما يقترب من سباخ المدينة – أي حدودها – يرى الملائكة تحول بينه وبين الدخول، وهذا الكشف له كشف إهانة لا كرامة، تمامًا كما كشف الله جبريل عليه السلام في صورة فحل حينما تصدى لمن أراد أذى النبي.
وأضاف الدكتور يسري جبر أن المدينة عند اقتراب الدجال ستشهد زلزالًا، يخرج على أثره المنافقون والكفار، بينما يبقى فيها المؤمنون مطمئنين ثابتين، مشيرًا إلى أن من سيخرج مع الكفار رجل صالح يكشف على الدجال ويشهد بأنه هو الذي أخبر عنه النبي، ويُقال في بعض الروايات إنه الخضر عليه السلام.
قصة تميم الداري ورؤيته المسيح الدجال
العديد من الأحاديث المتواترة ذكرت الدجال وتحدثت عن خروجه في آخر الزمان والتحذير منه، كإحدى علامات الساعة الكبرى، وأنه كل القرى والبلاد عدا مدينتين، مستشهدًا بما قد روت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، قصة تميم الداري ورؤيته للدجال.
وجاء في الحديث أن الدجال قال عن نفسه: «إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده سيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها».
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطعن بمخصرته في المنبر : «هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة » يعني المدينة «ألا هل كنت حدثتكم ذلك ؟ »، فقال الناس : نعم، قال : «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل الشرق ما هو من قبل الشرق، ما هو من قبل الشرق، ما هو » وأوما بيده إلى المشرق، قالت : فحفظت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- [رواه مسلم].
ومن صفاته كما مر في الأحاديث دخوله كل البلاد، يقول ابن حجر العسقلاني –رحمه الله- : قوله -صلى الله عليه وسلم- : «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال» هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال : المراد : إلا يدخله بعثه وجنوده ، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر سنة [فتح الباري]، مستطردًا: وقد وردت آثار في شخص يسمى ابن صياد، كان غلاما في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- واختلف العلماء فيه هل هو الدجال الذي يفتن الناس قبل قيام الساعة، ويقتله عيسى عليه السلام أو لا ؟.
صفات المسيح الدجال
يُوصَف الدجال بأنّه رجل قصير القامة مُتَباعد ما بين ساقَيه، مُمتلئ الجسم، شعره كثيف أجعد، وهو أبيض البشرة، وذو جبهة عريضة، مكتوب بين عينيه كافر لا يقرأها إلّا المؤمن؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَكْتُوبٌ بيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ”، ويجول الدجّال الأرضَ خلال أربعين يومًا، وهي المدّة التي يَمكُثها في الأرض، فقد سُئِل رسول الله عن ذلك، فقال: “أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ”. حيث يتحرّك بسرعة كبيرة في الأرض، قال رسول الله واصفًا إيّاه: “كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ” أي كالمطر النازل الذي تدفعه الريح في كلّ اتّجاه، ممّا يمكّن الدجّالَ من التجوُّل في أقطار الأرض قاطبة باستثناء مكّة، والمدينة المنوّرة؛ حيث لن يتمكّن من دخولهما؛ لقول رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: “ليسَ مِن بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَّا مَكَّةَ، والمَدِينَةَ، ليسَ له مِن نِقَابِهَا نَقْبٌ، إلَّا عليه المَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ ومُنَافِقٍ”
فتنة المسيح الدجال وهلاكه
للدجّال عدّة أساليب في فتنة الناس، وإضلالهم، وإقناع الناس بألوهيّته، فقد قال رسول الله فيه: «إنَّ معهُ مَاءً ونَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ، ومَاؤُهُ نَارٌ»، ومن فتنته أيضًا أنّه يقول للأعرابيّ: «أرأيتَ إن بَعَثْتُ لك أباك وأمَّك أَتَشْهَدُ أني ربُّك؟ فيقولُ: نعم، فيتمثلُ له شيطانانِ في صورةِ أبيه وأمِّه، فيقولانِ: يا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ، فإنه ربُّك»، إلّا أنّ أهل الإيمان لا يفتتنون به؛ فالله يُنجّيهم منه.
ومن سُبل النجاة من فتنته: أن يكون القلب عامرًا بالإيمان، ثابتًا عليه؛ لقوله -تعالى-: “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا”، والعمل بوصيّة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، إذ قال: “مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ”، واللجوء إلى أحد الحرمَين الشريفَين؛ لأنّ الدجّال لن يتمكّن من دخولهما، أما هلاك الدجال، فيكون على يد عيسى بن مريم -عليه السلام-؛ لقول رسول الله: «يقتُلُ ابنُ مَريمَ الدَّجَّالَ ببابِ لُدٍّ».


