حددت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان «دعوة الإسلام إلى التراحم»، ضمن الإصدار الثاني والخمسين من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء».

وأشارت الأوقاف، في بيان لها، إلى أن الهدف المراد توصيله من موضوع خطبة الجمعة هو التوعية بأن الإسلام دين الرحمة، وضرورة تراحم الناس فيما بينهم، منوهة بأن الخطبة الثانية ستكون بعنوان «وآتوا حقَّهُ يومَ حصادِهِ».

وإليكم في السطور التالية نص موضوع خطبة الجمعة 8 مايو 2026..

موضوع خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الرحمة التي يبثُّها الإسلام في القلوب، رحمة لا تعرف حدودًا، تمتد لتشمل الناس جميعًا بل تشمل الخلق كافة، حتى يغدو المجتمع كيانًا متراحمًا، وبحرًا زاخرًا بالمودة والرحمة، تتعانق فيه القلوب على الصدق، وتتلاقى فيه الأرواح على النصح، ويتجسد فيه أسمى معاني التعاطف والإنسانية فيما بينهم.

وفي ظلال هذه الرحمة، تزول قسوة القلوب، وتنكسر حدّة الأنانية، فيغدو الإنسان عونًا لأخيه، يشعر بألمه قبل أن ينطق، ويسعى في قضاء حاجته قبل أن يطلب، وتصبح العلاقات الإنسانية قائمةً على البذل لا على الأخذ، وعلى الإيثار لا على الاستئثار، هناك، تُبنى المجتمعات على أسسٍ من الرفق والتسامح، ويغدو الضعيف فيها مصونًا، والمحتاج مكفولًا، والمخطئ مُقوَّمًا برفقٍ لا بعنف، وبحكمةٍ لا بقسوة.

وهكذا تصنع الرحمة أمةً حيَّةً نابضةً بالخير، يسودها التراحم كما يسود الجسدَ الواحدَ شعورُ أعضائه، فإذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، فيتحقق بذلك معنى الأخوّة الصادقة، وتشرق في جنبات المجتمع أنوار الإنسانية التي أرادها الإسلام هدايةً ورحمةً للعالمين.

وإليك طرفًا من عناية الإسلام بهذا الخُلق الكريم

الرحمة من أخص صفات الله جل جلاله

إن اللهَ عزَّ وجلَّ جعل اتصافه بالرحمن الرحيم عنوانَ كتابه الكريم، فافتتح به سوره، وكرَّر ذكره في آياته، فقد ورد اسم الرحمن في مواضع عديدة، واسم الرحيم في مواضع أكثر، ليغمر القلوبَ بمعاني الطمأنينة، ويُشيع في النفوس روحَ الرجاء، وجعل سبحانه رحمته سابقةً لغضبه، دلالةً على سَعة فضله، وعظيم إحسانه، “والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله تعالى، ولذا فسرها العلماء بإرادة الإحسان، أو بالإحسان نفسه، فالرَّحْمَن وصف دال على رحمة الله تعالى بكَافَّة خلقه، بِأَن خلقهمْ وأوسع عَلَيْهِم فِي رزقهم، والرحيم خَاص فِي رَحمته لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ بِأَن هدَاهُم إِلَى الْإِيمَان وَهُوَ يثيبهم فِي الْآخِرَة الثَّوَاب الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْقَطِع” [تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج].

وعن سعة الرحمة الإلهية نطقت الآيات القرآنية على لسان المخلوقات النورانية: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: ٧ ]، وقال تعالى: ‌‌{‌وَرَحْمَتِي ‌وَسِعَتْ ‌كُلَّ ‌شَيْءٍ} [الأعراف: ١٥٦]، قال الإمام الماتريدي: “ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعايشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها” [تأويلات أهل السنة].

وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: ٥٤].

وعَنْ سيدنا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحلب ثديها تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ» قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [متفق عليه].

وعَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» [رواه البخاري].

رحمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بأقوامهم

إذا كانت الرحمة من أخص صفات المولى تبارك وتعالى، فإنها من أخص صفات الأنبياء والرسل الكرام، فعَنْ التابعي الجليل سيدنا كَعْبٍ الأحبار، قال: “أوحى الله إلى موسى فقال: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ أُقَرِّبَ مَجْلِسَكَ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ وَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، وَجَالِسِ الضُّعَفَاءَ وَارْحَمِ الْمَسَاكِينَ وَأَحِبَّ الْفُقَرَاءَ وَلَا تَفْرَحْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ تُقَسِّي الْقَلْبَ… يا مُوسَى كُنْ لَيِّنَ الْجَانِبِ، فَإِنَّ أَبْغَضَ الخَلقِ إِلَيَّ الَّذِي فِي نَفسِهِ كِبرٌ وَفِي لِسَانِهِ جَفَاءٌ وَفِي قَلْبِهِ قَسْوَةٌ، وَأَحَبُّ الْأَخْلَاقِ إِلَيَّ الرَّحْمَةُ وَالْعَطْفُ وَالرَّأْفَةُ وَالرِّقَّةُ” [حلية الأولياء].

وعَنْ سيدنا يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: “بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ، كَمَا تَوَاضَعُونَ فَكَذَلِكَ تُرْفَعُونَ، وَكَمَا تَرْحَمُونَ كَذَلِكَ تُرْحَمُونَ، وَكَمَا تَقْضُونَ مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ فَكَذَلِكَ اللهُ تَعَالَى يَقْضِي مِنْ حَوَائِجِكُمْ” [حلية الأولياء].

ووصف الله تعالى رسوله الكريم مبيِّنا رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨]، قال الحكيم الترمذي: ” كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مأمن الْخلق ومفزعهم، لَهُ عطف الْآبَاء وشفقة الْأُمَّهَات وَرَحمَة الوالدات، وَشهد الله لَهُ فِي تَنْزِيله أعظم شَهَادَة فَقَالَ عز من قَائِل: {عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم} قد حشي بالرأفة وَالرَّحْمَة والنصيحة لله تَعَالَى فِي خلقه، واستنار قلبه بِنور الله تَعَالَى فدقَّت الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا فِي عينه، وَصغر عِنْده بذل نَفسه لله فِي جنب الله، فَكَانَ مفزعا وَكَانَ مأمنا وَكَانَ غياثا وَكَانَ رَحْمَة وَكَانَ أَمَانًا ” [نوادر الأصول].

وأثبت الله عز وجل أن رحمته عامة شاملة بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧]، قال ابن عباس في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، قال: تمَّتِ الرحمة لمن آمن به في الدُّنيا والآخرة، ومَن لم يُؤمن به عُوفِىَ مما أصاب الأمَم قبلُ. [جامع البيان]

وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: ١٥٩]. قال السمرقندي: ” فالله ذكر منَّه أن جعل رسوله رحيمًا رءوفًا بالمؤمنين، حيث قال: فبرحمة مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ يا محمد..، وكنت رءوفًا رحيمًا بالمؤمنين، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ، أي: خَشنًا في القول غليظ القول، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، أي: لتفرقوا من عندك، ولكن الله جعلك سهلًا سَمْحًا طلقًا لينًا لطيفًا بارًّا رحيمًا” [بحر العلوم]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ‌أَنَا ‌رَحْمَةٌ ‌مُهْدَاةٌ». [دلائل النبوة للبيهقي]

وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا» [متفق عليه].

وشواهد رحمته صلى الله عليه وسلم في السنة والسيرة النبوية أكثر من أن تحصى.

جسدٌ واحدٌ.. تنبضُ فيه القلوبُ رحمةً وودًّا

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «‌مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وتعاطُفهم مَثَل الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجسدِ بِالسَّهَرِ والْحُمَّى» [صحيح مسلم]

يضربُ الصادقُ المصدوقُ مثلًا بديعًا للأمَّة المحمديّة حين تتشرّب قلوبُها حلاوةَ الإيمان، وتخالط بشاشتُه أعماقَها، فيُشبّهها بالجسد الواحد؛ جسدٍ تتآزر أعضاؤه، وتتساند قواه، فإذا تألَّم منه عضوٌ واحد، تجاوبت معه سائر الأعضاء سهرًا وحمّى، كأن الألم رسالةٌ تسري في العروق، توقظ الإحساس، وتستنهض الرحمة.

وهكذا يكون حال المؤمنين؛ قلوبٌ متآلفة، وأرواحٌ متعانقة، لا يهنأ لهم عيشٌ وجارُهم متألّم، ولا يطيب لهم قرارٌ وأخوهم في ضيق، يفرحون لفرح بعضهم، ويحزنون لحزنهم، وتتلاقى مشاعرهم على بساطٍ من الصدق والوفاء، فتذوب الفوارق، وتضمحلّ الأنانيات، ويعلو صوت التراحم فوق كل صوت.

فإذا سرت هذه المعاني في الأمة، غدت كيانًا حيًّا نابضًا، لا يعرف التمزّق، ولا يقبل التخاذل، تُبنى فيه العلاقات على الإيثار، وتُروى جذوره بالمحبّة، فيثمر أمنًا وسكينة، ويزهر تماسكًا وقوّة، فتتحقق فيه صورة الجسد الواحد حقيقةً لا مجازًا، وروحًا لا لفظًا، كما أرادها الله رحمةً للعالمين.

وفي القاعدة النبوية المباركة التي سرت في الأمة بركاتها، حتى أصبحت أول ما يتلقاه الطلاب في حِلق العلم من أفواه مشايخهم، خير دليل على أن الرحمة هي الصفة التي جعلها المولى معيارا لهذه الأمة، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «‌الرَّاحِمُونَ ‌يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [سنن أبي داود].

وقال صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ ‌مِنْ ‌عِبَادِهِ ‌الرُّحَمَاءَ» [صحيح البخاري]، وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: وَالرُّحَمَاءَ جَمْعُ رَحِيمٍ، وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَخْتَصُّ بِمَنِ اتَّصَفَ بِالرَّحْمَةِ، وَتَحَقَّقَ بِهَا بِخِلَافِ مَنْ فِيهِ أَدْنَى رَحْمَةٍ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» وَالرَّاحِمُونَ جَمْعُ رَاحِمٍ، فَيَدْخُلُ كُلُّ مَنْ فِيهِ أَدْنَى رَحْمَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَرْبِيُّ مُنَاسَبَةَ الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ الرُّحَمَاءِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِمَا حَاصِلُهُ: إِنَّ لَفْظَ الْجَلَالَةِ دَالٌّ عَلَى الْعَظَمَةِ، وَقَدْ عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ حَيْثُ وَرَدَ يَكُونُ الْكَلَامُ مَسُوقًا لِلتَّعْظِيمِ، فَلَمَّا ذُكِرَ هُنَا نَاسَبَ ذِكْرَ مَنْ كَثُرَتْ رَحْمَتُهُ وَعَظَمَتُهُ لِيَكُونَ الْكَلَامُ جَارِيًا عَلَى نَسَقِ التَّعْظِيمِ، بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَإِنَّ لَفْظَ الرَّحْمَنِ دَالٌّ عَلَى الْعَفْوِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهُ كُلُّ ذِي رَحْمَةٍ، وَإِنْ قَلَّتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فتح الباري].

في رعايةِ الضعفاء تتجلى الرحمة

يقصد بالضعفاء: الفقراء، والأيتام، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وأصحاب الأمراض المزمنة، فالتراحم مع هذه الفئات ميزانُ رقيِّ المجتمعات، وعنوانُ إنسانيتها الصادقة؛ لذا جاء الإسلام مؤكدًا على حقوقهم، وأناط مسئوليتهم بالمجتمع، وجعل الفقير في ذمة الغني، والضعيف في ذمة القوي، والمريض في ذمة الصحيح، وهكذا.

إذ حين تُمدّ الأيادي إلى الفقير، وتُمسح دموع اليتيم، ويُوقَّر الكبير، ويُحتضن ذو الحاجة الخاصة، هناك تتجلّى معاني الإيمان وتظهر معادن الأخلاق.

جعل القرآن الكريم رعاية هذه الفئات من أعظم القُرُبات، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} [النساء: ٣٦]، وقال عن صفات الأبرار: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: ٨]، وقال سبحانه: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}، لتكون الرحمة بهم واجبًا لا تفضّلًا.

 وجاءت السنة النبوية تؤكِّد هذا المعنى في أبلغ صورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، وأشار بالسبابة والوسطى [صحيح البخاري]، وقال أيضًا: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [رواه أبو داود]، وقال أيضًا: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [صحيح مسلم].

 وهكذا يُربّي الإسلام أبناءه على أن يكونوا عونًا للضعفاء، وسندًا للمحتاجين، حتى يتحول المجتمع إلى حضنٍ دافئٍ يضمّ الجميع، لا يُقصي ضعيفًا، ولا يترك محتاجًا، بل يشيع فيه العدل مشفوعًا بالرحمة، والإحسان مقرونًا بالإنسانية.

رحمة التشريع في رعاية الأطفال

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [رواه البخاري].

وعَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا “أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ” [رواه البخاري].

وعن أبي بَكْرَةَ نُفَيْع بن الحارث رضي الله عنه قال: “سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ، يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً” [رواه البخاري].

وعَنْ سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” [رواه مسلم].

وعن سيدنا عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: “كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصف عبد الله وعبيد الله وكثير بني العباس رضي الله عنهم، ثم يقول من سبق فله كذا وكذا، قال فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم ويلتزمهم” رواه أحمد.

وعن محمود بن الربيع قال: “عَقَلْتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم – مَجَّةً مَجَّها في وجهي من دَلْو بئرٍ كانت في دارنا، وأنا ابن خمس سنين”. رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: “قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ» [متفق عليه].

قال ابن بطال: “رحمة الولد الصغير ومعانقته وتقبيله والرفق به من الأعمال التي يرضاها الله ويجازى عليها، ألا ترى قوله عليه السلام للأقرع بن حابس: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ»؛ فدل أن تقبيل الولد الصغير، وحمله والتحفي به مما يستحق به رحمة الله، ألا ترى حمل النبي عليه السلام أمامة ابنة أبي العاص على عنقه في الصلاة، والصلاة أفضل الأعمال عند الله، وقد أمر عليه السلام بلزوم الخشوع فيها؛ والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها في الصلاة، وفي فعله عليه السلام ذلك أعظم الأسوة لنا؛ فينبغي الاقتداء به في رحمته صغار الولد وكبارهم والرفق بهم، ويجوز تقبيل الولد الصغير في سائر جسده” اهـ. [شرح صحيح البخاري لابن بطال].

ومن هنا استنبط العلماء قاعدة عظيمة ألا وهي: “لأجل الأطفال تتوقف الأحكام الشرعية”؛ رحمةً بهم.

التراحم في المعاملات المالية​

قد يندفع الإنسان خلف شهوة المال، فيغشّ ويحتال، وتغلُب عليه قسوةُ الطمع حتى تغيب عنه معاني الرحمة، فلا يراعي حقًّا ولا يرعى ذمّة، غير أنّ الإسلام جاء ليهذّب هذا المسار، ويغرس في القلوب خلقَ التراحم في كل شؤون الحياة، حتى في أدقّ تفاصيل المعاملات، فعَنْ سيدنا جَابِرِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» [رواه البخاري].

يقول ابن بطال: “فيه الحضُ على السماحة وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك هو سبب وجود البركة فيه؛ لأن النبي عليه السلام لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم في الدنيا والآخرة، فأما فضل ذلك في الآخرة فقد دعا عليه السلام بالرحمة لمن فعل ذلك، فمن أحب أن تناله بركة دعوة النبي- عليه السلام – فليقتد بهذا الحديث ويعمل به” ا. ه. [شرح صحيح البخاري لابن بطال].

وعن سيدنا عَطَاء بْن فَرُّوخ “أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَبْضِ مَالِكَ، قَالَ: إِنَّكَ غَبَنْتَنِي فَمَا أَلْقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَلُومُنِي، قَالَ: أَوَ ذَلِكَ يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْتَرْ بَيْنَ أَرْضِكَ وَمَالِكَ”، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَدْخَلَ اللَّهُ الْجَنَّةَ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا مُشْتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضِيًا وَمُقْتَضِيًا» [رواه أحمد].

ولذا توعد رسولنا صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين نسوا الآخرة، وراحوا يكنزون المال ولم يرحموا الخلق؛ فعن رِفَاعَةَ “أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ”، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ، وَبَرَّ، وَصَدَقَ» [رواه الترمذي وحسنه].

الرحمة بغير المسلمين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم»، قالوا: يا رسول الله! كلنا يرحم. قال: «ليس برحمة أحدِكم صاحبَه؛ يرحم الناس كافة» [رواه أبو يعلى].

وكان غير المسلمين يعيشون في المدينة في أمن وسلام؛ فقد صح “أن غُلاَمًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ» فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ”، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ» [صحيح البخاري].

فما أكثر من يدعو على الأبرياء المسالمين من غير المسلمين بسبب وبدون سبب، وذلك ناشئ عن قسوة في القلوب، فالرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك، وعندما قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» [صحيح مسلم].

ولم تكن الرحمة وقفًا على المسلمين، بل المسلم مصدر رحمة لكل الخلق، ففي مسند أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ، قَالَ: «وَتَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ”؟ قَالَ: «بَلْ بَابُ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ» [رواه أحمد والحاكم والبيهقي].

ولما آذوه صلى الله عليه وسلم وأدموه في أُحد قال ملَك الجبال: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين – وهو قد عانى منهم كثيرا – قال صلى الله عليه وسلم: «لَا؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [متفق عليه.]

إن الرحمة ليست فقط في إطعام الجائع، وكسوة العاري، والعطف على المسكين، “وهذا فضل”، بل التراحم الأكبر هو إنقاذ العقول والأرواح من العذاب، وهو الدور الذي يقوم به العلماء امتدادًا لإرث النبوة المحمدي الذي كان يأسى لموت الإنسان.

حتى قال سيدنا يحيى بن معاذ الرازي: “العلماء ‌أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة” [إحياء علوم الدين، للغزالي].

الرحمة بالحيوان

إنَّ المؤمن الحق تتجلّى من خلاله الرحمة في واقع الحياة، فيفيض بها على كل من حوله، إنسانًا كان أو حيوانًا، فالقلب الذي امتلأ بالإيمان لا يضيق عن مخلوقٍ ضعيف، ولا يقسو على روحٍ لا تملك الدفاع عن نفسها، بل يراها أمانةً بين يديه، ومسؤوليةً أمام خالقه.

وفي هذا المشهد الإيماني الرقيق، يسأل رجلٌ عن رحمةٍ يبذلها حتى في لحظة الذبح، فيُقرّه النبي صلى الله عليه وسلم، ويُرشده إلى أن الرحمة لا تُجزّأ، وأن الإحسان يشمل أدقّ المواطن، إذ يُروَى “أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، آخُذُ الشَّاةَ فَأَذْبَحُهَا فَأَرْحَمُهَا. قَالَ: «وَالشَّاةُ فَإِنْ تَرْحَمْهَا يَرْحَمْكَ اللهُ» [شعب الإيمان]، فتتحوّل هذه اللحظة إلى درسٍ عظيم، يُعلِّم الإنسان أن الرفق خُلُقٌ شامل، وأن الإحسان قيمةٌ لا تنفصل عن أي فعل.

وهكذا يرتقي الإسلام بالإنسان، فيجعله رحيمًا في طبعه، رفيقًا في سلوكه، حتى مع من لا ينطق ولا يشتكي، فتسري الرحمة في أفعاله كما تسري الحياة في عروقه، ويغدو الكون من حوله أكثر طمأنينةً وسكينة، لأن فيه قلبًا عرف طريق الرحمة، وسار بهديها في كل شأن.

وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “‌لو ‌ماتت ‌شاةٌ على شط الفُرات ضائعةً لظننتُ أن اللهَ تعالى سائلي عنها يوم القيامة”. [حلية الأولياء].

وهذا يدل على أن التراحم في المنظور الإسلامي لا يقتصر على بني البشر فحسب، بل يمتد ليشمل الحيوان الأعجم.

ورُوي عن بعض أصحاب الشِّبْلي، أنه رآه في النوم، بعد موته فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا أبا بكر أتدري بماذا غفرت لك؟ فقلت: بصالح عملي. فقال: لا. قلت: بإخلاصي في عبوديتي؟ قال: لا. قلت: بحجي وصومي وصلاتي؟ قال: لم أغفر لك بذلك، فقلت: بهجرتي إلى الصالحين، وإدامة أسفاري في طلب العلوم؟ فقال: لا، فقلت: يا ربي هذه المنجيات التي كنت أعقد عليها خنصري، وظني أنك بها تعفو عني وترحمني. فقال: كل هذه لم أغفر لك بها، فقلت: إلهي فبماذا؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي في دروب بغداد، فوجدت هرة صغيرة، قد أضعفها ‌البرد، وهي تنزوي من جدار إلى جدار من شدة ‌البرد والثلج، فأخذتها رحمة لها، فأدخلتها في فرو كان عليك وقاية لها من ألم ‌البرد؟ فقلت: نعم. فقال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك. [حياة الحيوان الكبرى، للدميري].

لا تنزع الرحمة إلا من شقي

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم آثار فقدان التراحم؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» [رواه أبو داود والترمذي].

قال الإمام الطِّيبي: “لأن الرحمة في الخَلْق رقةُ القلب، والرقة في القلب علامة الإيمان، فمن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له شقي، فمن لا يرزق الرقة شقي” [الكاشف عن حقائق السنن].

أيها المسلمون، إنَّ من أخطر ما يهدِّد المجتمعات: القسوة، وجفاف القلوب، وانعدام الرحمة، فبها تنتشر الكراهية، ويضيع الأمن، ويعيش الناس في شقاء، فاحذروا قسوة القلوب، واحذروا سوء معاملة الخلق، وأظهروا الإحسان والجمال بكل المخلوقات، وقد قال صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ».

وعن سيدنا عُمَرَ قَالَ: “لَا يُرْحَمُ مَنْ لَا يَرْحَمُ، وَلَا يُغْفَرُ لِمَنْ لَا يَغْفِرُ، وَلَا يُتَابُ عَلَى مَنْ لَا يَتُوبُ، وَلَا يُوقَّ مَنْ لَا يُتَوَقَّ” [الأدب المفرد].

فاللهم يا رحمن يا رحيم، املأ قلوبنا رحمة، واجعلنا من الراحمين والمرحومين، اللهم ارحم ضعفنا، واغفر ذنوبنا، وأصلح قلوبنا، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، اللهم ألف بين قلوبنا، وانشر الرحمة والمودة بيننا، إنك جواد كريم.

وسائل تعزيز التراحم في المجتمع

أن يستشعر الإنسانُ آلام الآخرين، فيجعل التعاطف خُلُقًا دائمًا لا موقفًا عابرًا.

 المبادرة إلى قضاء حوائج الناس، والسعي في تفريج كروبهم ولو بالكلمة الطيبة أو الجهد اليسير.

الالتزام بالرفق في التعامل اليومي؛ في البيت، والعمل، والشارع، وجعل اللين أساس العلاقة مع الجميع.

تعويد النفس على الصدقة والبذل، ولو بالقليل، فالعطاء يُنمّي الرحمة ويُطهّر القلب من الأنانية.

كفّ الأذى عن الآخرين، قولًا وفعلًا، وتجنّب الغلظة والسخرية والاستهزاء.

تعزيز خُلُق العفو والتسامح، وغضّ الطرف عن الزلات، طلبًا للألفة وبُعدًا عن القطيعة.

صلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، ومشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم.

رعاية الضعفاء من حوله؛ كالفقراء، والأيتام، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة.

التخلّق بآداب الإسلام في المعاملات؛ كالصدق، والأمانة، والسمَاحة في البيع والشراء.

الدعاء للناس بظهر الغيب، وحمل الخير لهم في القلب، فصلاح الباطن أساس صلاح الظاهر. 

موضوع الخطبة الثانية

وآتوا حقه يوم حصاده

احتفت الشريعة الإسلامية بيوم الحصاد احتفاءً يليق بمشهدٍ تتعانق فيه الأرض مع السماء، وتتجلى فيه آثار الرحمة الإلهية في سنابلَ مائلةٍ من ثِقل العطاء، وثمارٍ نضجت بعد طول انتظار، فلم يكن يومًا عابرًا في حياة الفلاح، إنما نتاج جهدٍ تُوِّج بالتوفيق، ولحظةُ لقاءٍ بين كدِّ الإنسان وفضل الرحمن.

يوم الحصاد ثمرة تلاقي أسباب كثيرة

في يوم الحصاد، تتحدث الحقول لغةً لا تُسمع بالأذن، ولكن تُدركها القلوب؛ لغة الشكر والامتنان، إذ يرى الإنسان بعينه كيف تحوّلت البذرة الصغيرة إلى رزقٍ وافر، فيستحضر أن وراء كل سنبلة عنايةً، ووراء كل ثمرة رحمة، ومن هنا يدرك أن ما بين يديه ليس نتيجة جهده وحده، بل ثمرة تلاقي أسبابٍ كثيرة: غيثٍ نزل، وشمسٍ أشرقت، وأرضٍ احتضنت، وعنايةٍ إلهيةٍ أحاطت بكل ذلك، ومن هنا ينفتح في القلب بابُ التفكّر في آيات الله المبثوثة في الزرع والثمر؛ فيسمع نداء القرآن يهمس في وجدانه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: ٦٣]، فيتلاشى شعور الغرور، ويحلّ محلَّه يقينُ العبودية. ويزداد هذا المعنى رسوخًا حين يتأمل قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ… يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: ٤]؛ فيدرك أن سرَّ التفاوت ليس في الجهد وحده، بل في تدبير الحكيم الذي يُجري النعم كيف يشاء، ليعلّم القلوب التواضع، ويغرس فيها دوام الافتقار إليه.

وفي هذا المقام، يتردد صدى هدي النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدًا هذا المعنى؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» [البخاري في الأدب المفرد]، فيغدو العمل في الأرض عبادةً ممتدة، لا تنقطع حتى في آخر لحظة من الحياة. وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أيضا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأكُلُ منه طَيْرٌ، أَوْ إِنْسانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه] فتتحول السنابل إلى رسائل رحمةٍ سائرة، وتغدو الثمار جسورًا بين العبد وربه، يُثاب عليها في كل لقمةٍ تصل إلى مخلوق، وهكذا يصبح يوم الحصاد أكثر من فرحٍ بالنتيجة؛ إنه استحضارٌ لمعاني العبودية، وتجديدٌ لعهد الشكر، وبدايةُ دورةٍ جديدةٍ من البذل والعطاء.

يوم الحصاد موسم للعطاء

إن الشريعة لم ترد ليوم الحصاد أن يكون مناسبةً يختص بها صاحب الأرض وحده، بل وسّعت دائرته ليكون فرحًا مشتركًا، يطرق أبواب الفقراء قبل أن تُغلق مخازن الأغنياء، ويمنح المحتاج نصيبًا من الخير دون مذلة السؤال، وكأنها تقول: إن اكتمال النعمة لا يكون إلا حين تمتد اليد بالعطاء، كما امتدت من قبل بالبذر والعمل.

ثم إن هذا اليوم يحمل في طياته صورةً زاهيةً للتكافل الإنساني؛ حيث تمتد الأيدي بالعطاء في لحظة الوفرة، فيشعر الفقير أنه شريك في الخير، لا غريبٌ عنه، فلا يُترك ينتظر الفتات بعد امتلاء المخازن، بل يُؤتى حقه في ذروة النعمة، في زمنٍ يكون فيه العطاء أصدق، وأقرب إلى الإخلاص.

ويؤكد القرآن هذا المعنى حين يأمر بإيتاء الحقوق في مواسم العطاء، ويحضّ على أن يكون للفقير نصيبٌ معلوم لا يُماطَل فيه ولا يُؤخَّر، قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: ٢٤، ٢٥]، قال النسفي: “يعني الزكاة لأنها مقدرة معلومة أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة” [مدارك التنزيل] فكأن الشريعة تُشيع في المجتمع روحًا من الطمأنينة، حيث يعلم المحتاج أن له حقًا محفوظًا، لا مِنّة فيه لأحد، ويزداد هذا المعنى إشراقًا في توجيهه سبحانه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: ١٠٣]، فيتحول العطاء من مجرد إحسانٍ للغير إلى تزكيةٍ للنفس، وتطهيرٍ للقلب من أدران الشح، حتى يصبح يوم الحصاد مناسبةً مزدوجة: يُغاث فيها الفقير، ويُصلَح فيها الضمير.

وقد جاء هدي النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد هذا البناء الإنساني المتماسك، فقال: «ليس المؤمنُ الذي يَشبَعُ وجارُه جائعٌ» [رواه الحاكم]، وقال: «مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ» [صحيح مسلم]، لتتسع دائرة المسئولية، فلا يقف الخير عند حدود الملكية، بل يتجاوزها إلى رحاب الأخوّة والرحمة، وهكذا يتجلّى يوم الحصاد في ضوء الشريعة مشهدًا من التكافل الحيّ، تتقاسم فيه الأيدي خيرات الأرض كما تتقاسم القلوب معاني الإيمان، فيغدو العطاء لغةً مشتركة، ويصبح المجتمع كله كالحقل الواحد؛ إذا أثمر جزءٌ منه، عمّ خيره سائر الأجزاء، وتحققت فيه حقيقة الأخوة التي أرادها الله لعباده.

تأتي البركة بالبذل

في عمق التوجيه الإلهي، إشعارٌ بأن البركة لا تُستجلب بالتكديس، وإنما تُستدعى بالبذل، وأن ما يُخرَج لله يبقى أثره في الدنيا نماءً، وفي الآخرة جزاءً، فكم من زرعٍ قلَّ عدده وكثرت بركته، وكم من محصولٍ عظيمٍ ذهبت خيراته حين حُجِب عنه حق الله.

ويُجلّي هذا المعنى قولُ الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: ٢٦١]؛ فهي صورةٌ قرآنيةٌ تنبض بالحياة، تُحيل العطاءَ إلى بذرةٍ لا تفنى، بل تتكاثر وتُزهر أضعافًا مضاعفة، وكأن الزارع حين يخرج حق الله من زرعه، إنما يغرس في أرض الغيب سنابلَ لا يحدّها موسم، ولا يقف نموُّها عند حدّ، ويؤكد هذا المعنى وعدُ الحق سبحانه: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: ٣٩]، فما كان العطاء نقصانًا، إنما هو طريقٌ إلى الخلف والزيادة، وسرٌّ من أسرار دوام النعمة وبقائها.

وقد جاء في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما يرسِّخ هذه الحقيقة في القلوب؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» [صحيح مسلم]، يقول ابن الجوزي: “قد اعْترض معترض فَقَالَ: كَيفَ يخبر الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بِمَا يُنَافِي الْحَقَائِق، وَنحن نعلم أَن من تصدق من دِينَار بقيراط نقص؟ فَأجَاب الْعلمَاء فَقَالُوا: إِن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم لم يقْصد هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن الْبركَة تخلف الْجُزْء الْمُنْفَصِل فَيكون كَأَنَّهُ لم يزل، وَوَقع لي فِي هَذَا جَوَاب آخر ينطبق على أصل السُّؤَال، فَقلت: للْإنْسَان داران، فَإِذا نقل بعض مَاله بِالصَّدَقَةِ إِلَى الدَّار الْأُخْرَى لم ينقص مَاله حَقِيقَة، وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث: «فيربيها لأحدكم حَتَّى تكون كالجبل» وَصَارَ كمن بعث بعض مَاله إِلَى إِحْدَى داريه أَو قسمه فِي صندوقين، فيراد من هَذَا أَن مَا خرج مِنْك لم يخرج عَنْك” [كشف المشكل من حديث الصحيحين].

وعن عدي بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، ليؤكد أن القليل إذا خرج بإخلاصٍ عَظُم أثره، وأن البركة ليست رهينة الكثرة، بل صدق الصلة بالله. ومن هنا، فإن يوم الحصاد يغدو لحظةً فاصلةً بين من يرى في المال غايةً فيحبسه، ومن يراه وسيلةً فيبذله؛ فالأول قد يملك الكثرة بلا بركة، والآخر قد يملك القليل وتُفتح له أبواب النماء في الدنيا، ويجد ثمرته مدَّخرةً عند الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

يوم الحصاد يوم امتحان القلوب

يتحول يوم الحصاد إلى مرآةٍ تعكس حقيقة الإنسان: أهو عبدٌ شاكر يرى في النعمة طريقًا إلى مزيد من القرب، أم أسيرُ شهوةٍ يرى فيها غايةً ينتهي عندها؟ وفي هذا الامتحان تتمايز القلوب، كما تتمايز السنابل؛ فمنها ما امتلأ خيرًا، ومنها ما خلا إلا من القشر، وهو إما أن يزكو بالعطاء فيزداد صفاءً، أو يضيق بالشح فيفقد بركته، وما أجمل أن يسبق إخراج الحق فرحة الادخار، ليبقى في النفس معنى العبودية حاضرًا، فلا يطغى الفرح بالمحصول على ذكر المنعم به.

ويُضيء هذا الميزان قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: ٥ – ١٠] فالعطاء في ساعة القدرة طريقُ تيسيرٍ وبركة، والبخل في لحظة الوفرة مبدأُ عُسرٍ وضيق، ويُتمّ هذا المعنى قولُه سبحانه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: ٩]، إذ يكشف أن الفلاح الحقيقي ليس في كثرة ما يُملَك، بل في نجاة القلب من أسر الشح، ومن هنا يغدو يوم الحصاد ميدانًا تُوزن فيه القلوب بقدر ما تعطي، لا بقدر ما تجمع، ويُعرف فيه صدق العبودية حين يُقدَّم حق الله على شهوة الاكتناز.

يوم الحصاد والدروس التربوية

يمتد احتفاء الشريعة بيوم الحصاد ليرينا كيف يغدو هذا اليوم مدرسةً تربويةً مفتوحة، يتعلم فيها الإنسان كيف يوازن بين الفرح والواجب، وبين لذة الامتلاك وواجب الإحسان، ففي اللحظة التي تمتلئ فيها الأعين ببهجة الثَّمر، تُستدعى القلوب لتتجرد من أنانيتها، وتُذكِّر نفسَها بأن هذا الخير لم يُخلق ليُحتكر، بل ليُتداول وتُحيى به النفوس.

ويُعمّق القرآن هذا المعنى حين يربط بين الفرح بالنعمة وواجب التواضع والبذل، فيقول سبحانه: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}، فكأن لذّة التمتّع لا تكتمل إلا بأداء الحق، وكأن الثمر لا يزكو في النفوس إلا إذا خرج منه نصيبٌ للغير. ويأتي التحذير الرقيق في قوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعم: ١٤١] ليضع ميزانًا دقيقًا بين النفع المشروع والتجاوز المذموم، قال ابن كثير: “قيل: معناه: ولا تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف، وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: {وَلَا تُسْرِفُوا}” [تفسير القرآن العظيم]

وتظهر هذه الدروس أيضا في الحقول، حيث تنحني السنابل تواضعًا قبل أن تُقطف، يتعلم الإنسان درسًا بليغًا: أن العطاء لا يكتمل إلا بالتواضع، وأن كثرة النعمة ينبغي أن تُورث صاحبها خفض الجناح، لا تعالي النفس،  وكأن الأرض تُلقّن الزارع بصمتها: كما منحتُك بسخاء، فامنح غيرك بطيب نفس، ولا تجعل بينك وبين المحتاج حجابًا من بخلٍ أو تأجيل.

زكاة الحصاد

اختلف العلماء في أصناف الزروع التي يخرج منها الزكاة، وقد توسع السادة الحنفية فيها، فأوجبوا الزكاة في كل ما أنبتته الأرض، وبلا شرط بلوغ نصاب محدد أو مرور حول، وذلك لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: ٢٦٧]، ومراعاة لمصلحة الفقير في الزكاة.

ويجب إخراجها من أرض كل مسلم ولو كان صغيرًا أو مجنونًا؛ لأنها حق متعلق بالمال.

والمقدار الواجب إخراجه يختلف على حسب طريقة الري المتبعة في الأرض المزروعة، وهما طريقتان:

الأولى: ما تتطلب مجهودًا في الري، من إنفاق مال أو استعمال حيوان، كالري بالآلات كالساقية ومضخات المياه ونحوها، كغالب الأراضي المصرية في الوقت الحالي، والمقدار الواجب فيها (نصف العشر)، أو خمسة بالمائة من إجمالي الزرع الذي خرج من الأرض.

الثانية: ما تُروى بغير مجهود أو تكلفة مالية، كالتي تروى بالمطر أو السيول ونحو ذلك، والمقدار الواجب فيها (العشر)، أو عشرة بالمائة من إجمالي الزرع الذي خرج من الأرض.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: “فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي وَالسَّوَانِي وَالْغَرْبِ وَالنَّاضِحِ نِصْفُ الْعُشْرِ” [الخراج ليحيى بن آدم (ص: ١١٣)].

الدَّوَالِي وَالسَّوَانِي وَالْغَرْبِ: تطلق على الساقية والناعورة التي يديرها الحيوان.

وقيل: السَّوَانِي: النَّاقَةُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْها.

النَّاضِحِ: الدابة يُستقى عليها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version