بينما يشتعلُ العالمُ اليوم بصراعاتٍ تُعيد رسم خرائط النفوذ، وتتصاعدُ طبول الحروب في شتى البقاع، يعود المركز القومي للترجمة ليُنعش ذاكرة القارئ العربي بواحد من أهم إصداراته الاستشرافية، ناقلًا لنا وجهة نظر من “الداخل الأمريكي”، كُتبت لتقدم رؤيةً تحليليةً نقديةً لمستقبل السطوة العالمية.
في كتاب “خرافة القوة العظمى” ترجمة أحمد محمود، تطرح المؤلفة نانسي سودربرج قراءتها الخاصة لما استقر عليه يقين القوى العالمية، حيث تضع تساؤلًا يضرب في عمق الجغرافيا السياسية: هل هناك حدود للقوة الأمريكية؟.. عبر صفحات هذا العمل، تقتفي المؤلفة أثر ذلك الاعتقاد الخاطئ الذي ساد في أعقاب الحرب الباردة، والذي روّج بأن الولايات المتحدة قد بلغت من الجبروت ما يمنحها حرية الفعل المطلق، ضاربةً عرض الحائط بالحلفاء والتكاليف والنتائج.
غير أن المشهد في العراق جاء ليبرهن – من وجهة نظرها – أن أمريكا، وإن حازت قدرًا غير معقول من القوة، فإنها تفتقر إلى صولجان “القوة المطلقة”.
ويهدف الكتاب إلى أن يكون شهادة حية، من منظور سودربرج، على ضرورة تصحيح مسار الدور القيادي الأمريكي ومسؤولياته الكونية؛ فبينما كشف هجمات 11 سبتمبر عن مكمن الضعف، فإنه قد يفتح بابًا لحث الجماهير على مشاركة أعمق مع العالم، ليس من أجل أمن أمريكا فحسب، بل لإعداد قادة المستقبل لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين في عالم بات الأكثر تعقيدًا في التاريخ البشري.
كما يخوض العمل غمار التحدي ضد الرؤى الشائعة حول سياسة بيل كلينتون الخارجية، والتي صاغها – في نظر المؤلفة – مراقبون من خارج دوائر صنع القرار، ففشلوا في فك شفرات دقائق تلك السياسة ومنجزات الرئيس الثاني والأربعين، في حقبة بالغة الحساسية. وبالاعتماد على مذكرات شخصية رُفعت عنها السرية مؤخرًا، ووثائق ومقابلات رفيعة المستوى، تخلص المؤلفة إلى حقيقة لافتة: إن مستقبل الأمن الأمريكي يعتمد إلى حد بعيد على تجاوز “خرافة القوة العظمى”.
إن التاريخ لا يُحابي القوة مهما توحشت، بل يُخلّد الحكمة التي تدرك وهن السطوة أمام عدالة الزمن؛ فما القوة المطلقة إلا وهمٌ يتبدد مع أول مواجهة مع الحقيقة. ومن هنا يفتح المركز القومي للترجمة نافذةً على فكر الآخر، لنفهم كيف تُدار خرافات القوة في مطابخ السياسة الدولية.


