في غمار التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، وفي ظل أزماتٍ تضغط على الأعصاب وتستثير الكوامن، بات من الضروري إعادة قراءة انفعالاتنا الإنسانية بمنظورٍ يتجاوز التوصيف السطحي. ومن بين تلك الانفعالات يأتي “الغضب”؛ ذلك الشعور الذي لطالما صُنِّف في الأدبيات الأخلاقية كـ “آفة” يجب وأدها، بينما تخبرنا الحكمة الإنسانية والتدبر الديني والمنطق الوظيفي أن الغضب قد يكون أداةً وجودية كبرى إذا ما أُحسن توظيفه ووجهت بوصلته.
الغضب كـ “جهاز إنذار” قيمي
إن الغضب في جوهره ليس مجرد ثوران بيولوجي أو اضطراب في كيمياء الجسد، بل هو “وظيفة إدراكية” بامتياز. هو “الترمومتر” الذي يقيس مدى سلامة حدودنا الأخلاقية والإنسانية. حين يغضب الإنسان لانتهاك حق، أو تزييف حقيقة، أو استباحة كرامة، فإن الغضب هنا يؤدي وظيفة “الحارس”. لولا هذا الغضب، لاستمرأ الإنسان الظلم، ولتحولت المجتمعات إلى كيانات باردة تفتقر إلى الحس الأخلاقي. إن الغضب هو “الصيحة” التي تعلن أن هناك خللاً في ميزان العدالة يجب تقويمه.
من الانفعال إلى “الفعل” الاستراتيجي
تكمن المعضلة الحقيقية ليست في الغضب ذاته، بل في مآلاته. فالغضب “الانفعالي” هو طاقة مبعثرة تنتهي بانتهاء مسبباتها، وغالباً ما تترك خلفها دماراً. أما الغضب “الوظيفي” فهو الغضب الذي يتم “تدويره” وتحويله من شحنة عاطفية إلى “وقود” للعمل.
في عالم الصحافة والفكر، نرى الغضب الوظيفي يتجلى في المقال الذي يفضح الفساد، وفي البحث الذي يسعى لتغيير واقع بائس. هو “النفس الطويل” الذي يحوّل ضيق الصدر بالواقع إلى رؤية لبناء واقع بديل. إنها قدرة العقل على لجام العاطفة، لا ليخمدها، بل ليوجهها نحو أهدافٍ إصلاحية كبرى.
الاستدلال الديني.. إدارة القوة لا كبتها
وإذا ما استنطقنا النص الديني بوعيٍ وعمق، نجد أن الإسلام لم يطلب من الإنسان أن يكون “جماداً” لا يشعر، بل وجهه لإدارة هذا الشعور. يقول الحق تبارك وتعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}. والتأمل في لفظ “الكظم” يوحي بوجود طاقة هائلة تم استيعابها وإعادة توجيهها، فالكظم هنا ليس عجزاً، بل هو “قوة الإرادة” التي تحبس الانفعال السلبي لتطلقه في قنوات الإحسان والبناء.
لقد غضب الأنبياء -عليهم السلام- حين انتهكت حرمات الله، وكان غضبهم “وظيفةً” شرعية لتصحيح المسار وهداية الخلق. ومن هنا، يصبح الغضب في سبيل الحق “عبادة”، بينما يصبح الصمت عن الباطل في موضع الغضب “خطيئة”.
الغضب والوعي الجمعي
على الصعيد الاجتماعي، يؤدي الغضب وظيفة “المحرك” للتاريخ. فكل الثورات الفكرية والنهضات الكبرى بدأت بـ “غضب وظيفي” رفض الركود والجهل والتبعية. لكن الفارق بين النهضة والفوضى يكمن في “ترشيد” هذا الغضب؛ فإما أن يكون ناراً تحرق الحرث والنسل، وإما أن يكون طاقة تُدير محركات التغيير والوعي.
ختاماً..
إننا في حاجة ماسة اليوم إلى استعادة “وظيفة الغضب النبيل”؛ الغضب الذي يترفع عن الصغائر، وينتصر للقيم الكبرى. الغضب الذي لا يُعمي البصيرة، بل يضيء لها دروب الإصلاح. فالقلم الذي لا يغضب للحق هو قلم جفّ مداده، والقلب الذي لا يغضب للظلم هو قلب فارقته الحياة. إن الغضب الوظيفي هو “أمانة الكلمة” في أسمى تجلياتها، وهو الطريق نحو استعادة توازننا الإنساني في عالمٍ مضطرب.
ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: الغضب كـ “وظيفة”.. حين يكون الانفعال طريقا للإصلاح
مقالات ذات صلة
2026 © نجمة الخليج. جميع حقوق النشر محفوظة.


