بنظرة إلى شوارعنا نرى تصاعداً مقلقاً في مظاهر العنف والتحرش والسباب اللفظي، إلى جانب تفشي آفة الإدمان بين الشباب.
غالباً ما يلقى اللوم على الظروف الاقتصادية أو غياب الرقابة الأسرية، لكن القليل منا يتوقف ليسأل:
ما الدور الذي يلعبه النظام التعليمي الذي يمر به شبابنا لمدة تزيد على عقد كامل؟
إن المنهج الدراسي، في صورته الحالية، يركز غالباً على “الحشو المعرفي” و”النجاح الأكاديمي”البحت، ويهمل عنصراً لا يقل أهمية هو التكوين الأخلاقي والسلوكي والنفسي. لقد حان الوقت للنظر إلى المناهج ليس كأداة لاجتياز الامتحانات، بل كـأداة بناء مجتمعي” لمعالجة الأزمات السلوكية المنتشرة.
ونلحظ تجاهل القضايا السلوكية الملحة
فالمناهج الحالية تكاد تكون صامتة تماماً عن أهم القضايا التي تواجه الطالب فور خروجه من بوابة المدرسة:
العنف والتحرش حيث لا يتم تناول مفهوم الحدود الشخصية، واحترام جسد الآخر، وآداب التعامل في الأماكن العامة بوضوح وكأمر جوهري غير قابل للتفاوض، مما يترك الشباب فريسة لتفسيرات خاطئة أو عادات مجتمعية بالية.
الإدمان والمخدرات حيث يتم اغفالها أو تناولها في أضيق الحدود، وغالباً بشكل نظري جاف لا يتناسب مع خطورة وحجم المشكلة التي أصبحت تهدد البنية الأسرية والمجتمعية.
غض الطرف عن التعامل مع الغضب فنادراً ما تتضمن المناهج فصولاً عن إدارة المشاعر، والتعامل مع الإحباط، وكيفية التعبير عن الغضب دون اللجوء إلى السباب أو العنف الجسدي.
ولفاعلية المنهج تبرز الحاجة إلى “التعليم الوقائي”
إن تغيير المناهج لا يعني إضافة فصول جديدة إلى كتب الفيزياء أو التاريخ، بل يعني إحداث تحول نوعي في المضمون، يقوم على الأسس التالية:
الدمج بدلاً من العزل:حيث يجب دمج مفاهيم “المواطنة الإيجابية، قبول الآخر، ومناهضة التمييز” في كل مادة دراسية.
على سبيل المثال، يمكن ربط مفهوم احترام التنوع في حصص التاريخ والجغرافيا، وربط مفهوم الأخلاق المهنية والمسئولية في حصص العلوم والاقتصاد.
2. التربية النفسية والسلوكية:فيجب إدخال مادة إلزامية (أو فصول ثابتة في مادة التربية الدينية أو الوطنية) تُركز على:
الذكاء العاطفي والوجدانى ويكتسب خلال تعليم الطلاب كيفية التعرف على مشاعرهم ومشاعر الآخرين وإدارتها.
حل النزاعات السلمي: ويتحقق من خلال التدريب على تقنيات التفاوض والتعبير عن الرأي دون السباب أو الإهانة.
بناء الحدود: شرح واضح لمعنى “التحرش” و”الاعتداء” وأنها تصرفات لا تقبلها أي منظومة قيمية ويرفضها الدين السماوى.
3. المواطنة الرقمية:مع انتشار السباب والعنف اللفظي عبر الإنترنت، يجب أن تتضمن المناهج فصولاً عن المسئولية الرقمية واحترام الآخرين في الفضاء الإلكتروني، وكيف أن الكلمات القاسية على الإنترنت لها نفس أثر الكلمات في الشارع.
ولكى نتجه نحو جيل أكثر مسئوليةيجب ان ندرك أن التحدي لا يكمن في تطوير كتاب جديد، بل في تدريب المعلمين على أن يكونوا قدوة ومُيسِّرين لهذه المفاهيم، وتحويل الفصل الدراسي إلى “مساحة آمنة” للحوار والنقاش.
إن العنف والتحرش والإدمان هي أعراض لمرض مجتمعي أعمق، وهو غياب التربية السلوكية المنهجية. وبما أن المدرسة هي المؤسسة الوحيدة القادرة على الوصول إلى كل طفل وشاب بشكل إلزامي ومستمر، فإن إصلاحها وتغيير مناهجها يصبح واجباً وطنياً لا يمكن تأجيله حيث إن تطوير التعليم علاج للعنف المجتمعي
لذلك يجب ادراك أن الاستثمار في منهج دراسي يعالج العنف اليوم، هو استثمار في مجتمع أكثر أماناً ورقياً في الغد.


