أثارت مؤسسة غزة الإنسانية انتقادات واسعة خلال الأشهر الماضية، وذلك بعد تحول مراكزها في قطاع غزة لمناطق موت يقتل فيها الباحثون عن المساعدات بنيران موظفيها ونيران الجيش الإسرائيلي الذي يتمركز بالقرب منها، وسط مطالبات دولية وحقوقية مستمرة بإغلاقها.

وواجهت المنظمة رفضا واسعا من المنظمات الإغاثية الدولية، كما أدانت دول عديدة عمل المنظمة وتحويلها المساعدات لأداة قتل وإذلال، بعد استشهاد أكثر من 500 مدني قرب مراكزها.

في المقابل، حاولت المنظمة ومن خلفها الدبلوماسية الإسرائيلية، تلميع صورتها دوليا، وعبر منصة إكس تحديدا، بإبراز نجاحاتها المزعومة في توزيع المساعدات الإنسانية، مع نفي الانتقادات والاتهامات الصادرة عن منظمات أممية وإعلامية.

وفي هذا التقرير، سلّطت وكالة “سند” للتحقق الإخباري في شبكة الجزيرة الضوء على طبيعة المحتوى الذي استخدمه الحساب الرسمي والحسابات الداعمة لمؤسسة غزة الإنسانية، وذلك بتحليل ما ورد عن طريق الشخصيات والمنصات الرقمية التي تصدرت النشر عن المنظمة خلال شهر يونيو/حزيران 2025.

كيف صاغت المنظمة المحتوى؟

كان هدف المؤسسة الأصلي الذي أنشئت من أجله هو أن تحل بديلا عن المؤسسات الأممية المعروفة، وهو نفسه الهدف الذي رسم له المحتوى على المنصات، عبر إبراز صورة إنسانية ضخمة لجهود توزيع المساعدات، وتقديم المؤسسة كقناة إغاثية فعالة، تعوّض الأمم المتحدة ومؤسساتها، وقد برز ذلك في عدة نقاط أساسية:

ادعاءات دون دلائل

يظهر في الحساب الرسمي للمؤسسة، ومعه الحسابات الإسرائيلية، تكرار مستمر لأرقام التوزيع في غزة لإظهار قدرات كبيرة على ضخ المساعدات داخل القطاع، حيث ادعت بلوغ إجمالي التوزيع نحو 66 مليون وجبة منذ انطلاقها، وهو الرقم الذي تقدمه المؤسسة دون تفاصيل، خاصة أن نشاطها لم يُحدِث أي تحسُّن في مستوى المجاعة أو يلبي الحاجة الأساسية لدى السكان في غزة.

ورغم غياب أي دلائل واضحة على الأرقام المعلنة، فإن الحسابات تستخدم صياغات مبالغا فيها، وجملا مثل “عشرات الملايين من الوجبات يوميا”، و”أضخم عملية إنسانية حاليًا في العالم”، على غرار تغريدة الدبلوماسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية.

وطبقا للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فقد اتسمت الآلية بالإذلال الكامل وانعدام الحدّ الأدنى من المعايير الإنسانية، حيث أُجبر آلاف المدنيين على المشي لعشرات الكيلومترات نحو مناطق خطيرة يحاصرها الجيش الإسرائيلي، ليُرغموا بعدها على الدخول في ممرات مسيّجة تحت الحراسة المشددة، في مجموعات، لاستلام طرود غذائية محدودة، وهو ما أكدته التقارير الفلسطينية المحلية.

صور لا تعكس الواقع

كما أظهر تتبع المحتوى الداعم للمنظمة، حرصا واضحا على استخدام رمزية الصور، وتحديدا صور لسكان غزة خلال حصولهم على المساعدات، رغبة في أن تصبح هذه الصور هي المرتبطة بالمؤسسة في أذهان المتابعين، وليس صور المعاناة والقتل التي وثقتها العديد من المؤسسات الدولية ووسائل الإعلام.

واستخدمت المنظمة صورا معدودة لعدد من الأشخاص يبتسمون للكاميرات، لإعطاء انطباع عن سهولة التوزيع وسعادة السكان، رغم المعاناة الموثقة التي تحيط بعملية الحصول على المساعدات، والعشوائية المستمرة التي أقرت بها المنظمة نفسها عدة مرات.

ونشرت الحسابات الدبلوماسية الإسرائيلية الصور بكثافة عالية، وكتبت منشورات تعتبر تلك الصور إثباتا على نجاح المنظمة الجديدة في عملها وسعادة سكان غزة بها.

واستخدمت الحسابات الرسمية الإسرائيلية مقاطع تتبع لبعض مؤسسات الإغاثة الدولية، في مقاطعها التي تدعي فيها نجاح تدفق المساعدات بقيادة مؤسسة غزة.

اتهامات دون دليل

امتلأ حساب المؤسسة باتهامات مختلفة للمقاومة في غزة، وحركة حماس بشكل خاص، أحدثها كان في 5 يوليو/تموز، في الاتهام الذي كان نصه ما يلي “أصيب محاربون أميركيون حائزون على أوسمة رفيعة، في هجوم إرهابي بعد أن أُلقيت عليهم قنابل يدوية إيرانية الصنع، محشوة بكريات معدنية، هدفها تشويههم”.

وفور نشر الادعاء، تفاعلت الحسابات الرسمية الإسرائيلية والأميركية لتدين الهجوم المزعوم، أبرزها الخارجية الأميركية ورئاسة الوزراء الإسرائيلية.

وأرفق الاتهام بصورة لشظايا القنبلة المزعومة، التي ألقاها “اثنان من مقاتلي حماس ثم انضما للمدنيين المصطفين أمام مركز التوزيع”، حسب بيان المنظمة.

ورغم عشرات الكاميرات المثبتة في مركز التوزيع، فلم تقدم المنظمة أي مقطع يوثق تلك العملية، واكتفت بمهاجمة وسائل الإعلام الدولية لرفضهم التصديق على تلك الرواية المزعومة.

انتقادات للجميع

أظهر فحص الكلمات المستخدمة من الحسابات الرسمية، نبرة هجومية واضحة تجاه الإعلام والمنظمات الدولية والنشطاء من داخل غزة، معتبرة ما يُنشر “أكاذيب” أو “حملة تشويه منسقة تقودها أذرع حماس الإعلامية حول العالم”.

وتحضر كلمات مثل “هذا ما يواجهه من يحاول إطعام المدنيين”، “يكرهوننا لأن نموذجنا ناجح”، مع انتقادات مستمرة لوسائل الإعلام الدولية بسبب تغطيتها لأحداث القتل اليومية في أماكن مراكز التوزيع.

ومثلت الردود على المؤسسات الإعلامية الدولية جزءا أساسيا من محتوى الحساب الرسمي والحسابات الداعمة، حيث اتهمت أغلب وسائل الإعلام بالانحياز، وترديد دعاية حماس.

كما هاجمت المؤسسة باستمرار المؤسسات الدولية مثل برنامج الغذاء العالمي، وانتقدت رفضهم التعاون معها.

الحسابات المؤثرة 

قادت حسابات أميركية وإسرائيلية عملية الترويج للمؤسسة، وحرصت على تضخيم المحتوى الذي تنشره المؤسسة عبر منصاتها.

ولرصد هذه الحسابات، قمنا بسحب عينة تحليلية من التغريدات باستخدام أداة NodeXL، وذلك خلال الفترة من 20 إلى 29 يونيو/حزيران 2025 (الربع الأخير من الشهر الماضي). بلغت العينة 25 ألف تغريدة صادرة عن 15842 حسابًا.

وشكّل الحساب الرسمي للمؤسسة عبر إكس، والذي أنشأ حديثًا في يونيو/حزيران 2025، نقطة الارتكاز الأساسية، وقد قمنا بسحب بياناته منذ إنشائه وتحليل نمط تفاعله من خلال أدوات تحليل الشبكات.

وأجرينا تحليلا شبكيا بصريا باستخدام أداة (Gephi)، والذي أظهر وجود عدد من التكتلات داخل الشبكة، يقود كل تكتل مجموعة من الحسابات المؤثرة والنشطة، والتي لعبت دورًا محوريًّا في تضخيم الروايات الداعمة لمؤسسة غزة الإنسانية.

ويُظهر الشكل البصري أن النقاش الداعم لهذه المؤسسة تركز حول 3 مجموعات رئيسية من الحسابات، تقودها شخصيات مؤثرة. وتمثل هذه المجموعات حوالي ربع التفاعل الكلي، بنحو 26% من إجمالي الشبكة، ما يعكس على الجانب المقابل الانتقادات الواسعة التي مثلت باقي نسبة التفاعل.

أبرز الشخصيات المروجة لدعاية المؤسسة

ريتشارد كيمب

ضابط سابق في الجيش البريطاني، تحول إلى أحد أبرز الأصوات الدعائية الداعمة لإسرائيل ومؤسسة غزة الإنسانية.

وشغل كيمب مناصب رفيعة في الجيش البريطاني، وشارك في عمليات بأفغانستان والعراق، وعرف منذ سنوات بمواقفه الداعمة لإسرائيل والرافضة لاتهامها بارتكاب الجرائم، معارضا كل التقارير والبيانات الدولية.

وشارك كيمب منذ بداية الحرب الجارية، في تبرير الجرائم الإسرائيلية المستمرة في غزة، ويعتبر الحرب على غزة “معركة من أجل الحضارة الغربية”.

ومع بداية عمل مؤسسة غزة الإنسانية، حضر كيمب كواجهة للمنظمة، وفي صدارة الوجوه التي استخدمت لتلميع صورتها وإنكار جرائمها، وقد شارك بنفسه داخل مراكز المنظمة في جنوب القطاع.

وفي 28 يونيو/حزيران 2025، نشر ريتشارد كيمب فيديو من داخل أحد مراكز توزيع المنظمة وسط حشد من المدنيين، في أثناء سرده دفاعًا عن المؤسسة ونفيه تقارير إطلاق النار. لكن صوت رشقات نارية ظهر بوضوح في الخلفية، مما أثار شكوكًا كبيرة حول روايته التي اعتبر فيها ما سُمع “مجرد أصوات في منطقة حرب”.

جوني مور

جوني مور هو الرئيس التنفيذي للمؤسسة، وهو أحد الوجوه الإعلامية البارزة التي تروج للمنظمة منذ يومها الأول، ولعب دورًا مركزيًّا في الترويج لرواية تصوّر مؤسسة غزة الإنسانية كقناة إنسانية “فعّالة ومستقلة”، بعيدًا عن تأثير حماس.

وسبق أن شغل مور مناصب استشارية في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الأولى، إلى جانب عضويته السابقة في لجنة الحريات الدينية الأميركية. وعُرف بعلاقاته الوثيقة مع إسرائيل ودعمه الصريح لاتفاقيات التطبيع.

مايك هاكابي

حضر سفير أميركا لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وشارك بكثافة في الترويج  لمحتوى حساب المنظمة، مدعوما بالحسابات الأميركية الرسمية، مثل حساب البعثة الرسمية الأميركية في الأمم المتحدة.

ومنذ بدء نشاط مؤسسة غزة الإنسانية في القطاع، لعب هاكابي دورًا مركزيًّا في الترويج لروايتها الرسمية، حيث نشر تغريدات متكررة حول أرقام توزيع الوجبات، وهاجم تقارير إعلامية تتحدث عن سقوط ضحايا خلال عمليات التوزيع، متهمًا وسائل الإعلام الأميركية بتبنّي “روايات مضللة من إنتاج حماس”.

إييال ياكوبي

يُعد من أبرز الوجوه الرقمية الداعمة لإسرائيل على منصة “إكس”، حيث يشارك يوميا بعشرات المنشورات التي تروّج للرواية الإسرائيلية وتهاجم المؤسسات الإعلامية الدولية التي تغطي الحرب على غزة. ويُعرف بخطابه الحاد وسرعته في الرد، ويتابعه أكثر من 160 ألف متابع.

وأثار نشاطه الكثيف -الذي يتجاوز أحيانًا 100 منشور يوميا- شكوك عدد من المراقبين، الذين تساءلوا عما إذا كان الحساب يُدار من شخص واحد فعلًا، أم أنه جزء من فريق منظم، حيث رُصد تفاعله المتكرر مع حسابات تبدو آلية أو مرتبطة بحملات تضخيم.

حساب “Osint613”

يتابعه أكثر من 677 ألف مستخدم. برز دوره كأحد الحسابات الأساسية في الترويج لنشاط مؤسسة غزة الإنسانية من خلال نشره اليومي لأرقام حول عدد الوجبات الموزعة ومواقع التوزيع، إضافة إلى تبنّيه روايات المؤسسة في مواجهة الانتقادات الدولية.

ورغم مظهره المهني وانتشاره الواسع، وتقديمه نفسه كحساب متخصص في استخبارات المصادر المفتوحة، فإن ما يقدمه يشير لكونه ضمن مجموعة الحسابات التابعة لإسرائيل، والتي توجد في أغلب الحملات الرقمية المنظمة.

كما سبق وشارك الحساب عشرات الصور والمقاطع المضللة التي تروج لإسرائيل، ما يخالف أبسط تعريفات الحساب، كمحلل مصادر مفتوحة.

حساب (Imshin)

يُعد حساب (Imshin) من أبرز الأصوات الإسرائيلية التي شاركت بتلميع مؤسسة غزة الإنسانية على منصة “إكس”، حيث يقوم الحساب على محتوى بصري مكثف يتضمن مقاطع فيديو وصورا من داخل غزة تُظهر توزيع المساعدات.

وينشط الحساب بشكل يومي، ويستخدم وسم #TheGazaYouDontSee للترويج لصورة إيجابية عن الوضع الإنساني تتعارض مع ما تنقله التقارير الدولية.

ويلعب هذا الحساب دورًا بارزًا في تعزيز خطاب المؤسسة يركز على نفي وجود مخاطر في مراكز التوزيع، ويقدّم شهادات مصورة تزعم أن الطعام يُوزع بحرية للجميع، ويعتمد عليه الحساب الرسمي للمنظمة ويشارك منه الكثير من الفيديوهات.

وهذا الحضور الميداني الرقمي جعله أحد الحسابات المركزية داخل الشبكة الداعمة لمؤسسة غزة الإنسانية، كما أظهر التحليل الشبكي لتفاعلات يونيو/حزيران 2025.

ويُلاحظ أن هذه الحسابات رغم تنوع خلفياتها الظاهرية، تنشر سرديات متطابقة أو متقاربة في الصياغة والتوقيت، ويتضح ذلك من خلال منشورات متشابهة، وأحيانًا بنفس العبارات أو الصور.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version