منذ أكثر من 25 عاما، لم تخلُ السماء من الوجود البشري ولو ليوم واحد.. ففي الثاني من نوفمبر عام 2000، بدأت قصة غير مسبوقة للبشرية داخل محطة الفضاء الدولية، حيث يستيقظ رواد الفضاء يوميا على مشهد شروق الشمس 16 مرة، في منزل يسبح على ارتفاع 400 كيلومتر فوق الأرض.
ليست محطة الفضاء الدولية مجرد مختبر علمي معلق، بل هي تجربة إنسانية فريدة جمعت أكثر من 280 رائد فضاء من مختلف الجنسيات، وقدمت نموذجا حيا لما يمكن أن ينجزه البشر حين يتجاوزون الخلافات السياسية ويبنون معا مستقبلا مشتركا فوق النجوم.
من زاريا إلى أعظم تعاون فضائي
تعود جذور المحطة إلى وحدة «زاريا» التي أُطلقت عام 1998، تحولت بمرور الوقت إلى حجر الأساس لأكبر مشروع تعاوني في تاريخ الفضاء، شاركت في بنائه دول من أربع قارات.
إكسبيديشن1 بداية السكن الدائم في الفضاء
في نوفمبر 2000، دخل طاقم «إكسبيديشن 1» المكون من ثلاثة رواد إلى المحطة، معلنين بداية عصر الإقامة البشرية المستمرة في المدار وعلى الرغم من ضيق المساحة وقسوة الظروف، مهد هؤلاء الرواد الطريق لوجود دائم يصل اليوم إلى سبعة رواد فضاء، ليصبح الفضاء بيئة مأهولة دون انقطاع لربع قرن كامل.
هندسة الفراغ بناء المحطة قطعة قطعة
لم تُبنَ محطة الفضاء الدولية دفعة واحدة، بل احتاجت إلى 42 رحلة تجميع معقدة وباستخدام أذرع روبوتية دقيقة، التحمت وحدات صُنعت في دول مختلفة لتشكل أعظم هيكل هندسي يدور حول الأرض، في مشهد يجسد تناغم العلم والتكنولوجيا والتعاون الدولي.
حياة بلا أرض ولا سقف
يوفر هذا المنزل المداري مساحة معيشية تبلغ 388 مترا مكعبا، تعادل منزلا أرضيا كبيرا بسبع غرف نوم في هذه البيئة، تختفي مفاهيم الأرض والسقف، ويصبح كل اتجاه صالحًا للعمل أو النوم أو الحركة.
الرياضة ضرورة للبقاء
انعدام الجاذبية ليس نعمة كاملة، فهو يضعف العظام والعضلات لذلك يلتزم الرواد ببرنامج رياضي صارم لمدة ساعتين يوميا وقد بلغ التحدي ذروته عندما أنهى رائد الفضاء البريطاني تيم بيك ماراثون لندن كاملًا على جهاز الجري في المدار خلال ثلاث ساعات ونصف.
إكسير الحياة تدوير الماء بنسبة 98%
لضمان الاستمرار، تعتمد المحطة على نظام متطور لإعادة تدوير المياه، يستخلص الرطوبة وبخار التنفس والعرق ليحولها إلى مياه شرب نقية بنسبة استعادة تصل إلى 98%، وفق أعلى المعايير الصحية العالمية.
مختبر فوق النجوم
تحولت المحطة إلى مختبر علمي عائم أنتج أكثر من 4400 ورقة بحثية، شملت أبحاثًا حول السرطان، وتطوير مواد خارقة، وتجارب لتصنيع أعضاء بشرية في بيئة الجاذبية الصغرى.
العمر مجرد رقم
أثبتت التجربة الفضائية أن الشغف لا يعرف سنا فقد عاد رائد الفضاء دون بيتيت إلى الأرض عن عمر 70 عامًا، بينما حلق جون جلين في المدار وهو في السابعة والسبعين، فاتحين الباب أمام أجيال جديدة من الحالمين.
اختبار الزمن والعزلة
في عام 2023، سجل فرانك روبيو رقمًا قياسيًا بالبقاء 371 يومًا في المدار، في مهمة تهدف إلى فهم قدرة العقل البشري على الصمود، تمهيدا لرحلات طويلة إلى المريخ حيث العزلة والزمن هما التحدي الأكبر.
نافذة على الكون
من خلال نافذة «القبة» الشهيرة، لا يفصل الرواد عن الفراغ القاتل سوى 25 مليمترًا من الزجاج، تمنحهم واحدة من أروع الإطلالات الكونية، لكنها كثيرًا ما تجبرهم على ضبط المنبهات كي لا ينسوا العودة إلى أعمالهم.
إبداع يومي في بيئة غير عادية
في زوايا المحطة، يظهر الجانب الإنساني؛ حيث صنع دون بيتيت آلة موسيقية من خرطوم مكنسة، بينما ينام الرواد في أكياس نوم مثبتة بالجدران داخل كبائن صغيرة بطول 211 سم، وسط ضوضاء مراوح لا تتوقف.
سباكة الفضاء ورائحة الكعك
حتى أدق التفاصيل لها تحدياتها؛ فقد اشتهر كريس هادفيل بمهاراته في إصلاح مراحيض المحطة الأربعة، بينما امتلأت المحطة عام 2019 برائحة الكعك الطازج بعد خبز خمس قطع لأغراض علمية، دون أن يُسمح للرواد بتذوقها.
درع في مواجهة الحطام
تحيط بالمحطة أخطار دائمة، أبرزها أكثر من 28 ألف قطعة حطام فضائي وقد استدعى ذلك تنفيذ 40 مناورة تفادٍ، في حين تبقى عمليات السير في الفضاء الأكثر خطورة، خاصة بعد حادثة عام 2013 التي كاد فيها أحد الرواد أن يغرق داخل خوذته.
روبوتات ذكية واقتصاد فضائي جديد
تعتمد المحطة على الذراع الروبوتية Canadarm2 والروبوت «ديكستر» لأعمال الصيانة ومع بروز سياحة الفضاء، زار المحطة 13 سائحًا حتى الآن، في ظل انخفاض تكلفة الوصول بفضل مركبات حديثة مثل «دراجون».










