في ظل تصاعد التوترات الدولية وإعادة ترتيب موازين النفوذ في مناطق الصراع، عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى دائرة الاهتمام الأمريكي مجددًا، بعد تحركات وتصريحات لافتة أعادت تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في القارة الإفريقية.
هذا التحرك أثار تساؤلات حول أسبابه وتوقيته، خاصة مع استمرار تعثر المفاوضات بين الدول الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، وعدم التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل السد.
الاهتمام الأمريكي المتجدد يأتي في وقت يشهد فيه إقليم القرن الإفريقي تطورات متسارعة على المستويات السياسية والأمنية، وسط مخاوف من انعكاسات أزمة السد على الاستقرار الإقليمي، وذلك في ظل التحديات المرتبطة بالأمن المائي وحماية المصالح الحيوية لدول حوض النيل.
وتعد الولايات المتحدة طرفًا فاعلًا في هذا الملف، بحكم علاقاتها السياسية والاقتصادية مع أطراف الأزمة، ودورها السابق في رعاية جولات تفاوضية لم تسفر عن نتائج حاسمة.
وتزامن هذا الحراك مع استمرار إثيوبيا في تنفيذ خطوات أحادية تتعلق بملء وتشغيل السد، مقابل مطالب مصرية وسودانية متكررة بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم إدارة السد ويضمن عدم الإضرار بحقوق دولتي المصب.
في المقابل، تتواصل الدعوات الدولية لخفض حدة التوتر والعودة إلى طاولة التفاوض تحت رعاية أطراف دولية وإقليمية.
سعيد الزغبي: ملف سد النهضة يعود لأجندة واشنطن لتحجيم النفوذ الصيني والروسي في إفريقيا
قال أستاذ السياسة سعيد الزغبي في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن عودة ملف سد النهضة إلى أجندة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لا يمكن فهمها بمعزل عن مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية المرتبطة بإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وحسابات النفوذ في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.
سد النهضة.. شاهد على تراجع الدور الأمريكي في إدارة النزاعات
وأوضح الزغبي، في تصريحات صحفية، أن سد النهضة يعد أحد أبرز الملفات العالقة التي تعكس تراجع الدور الأمريكي النسبي خلال السنوات الماضية في إدارة النزاعات الإقليمية، وهو ما يتناقض مع الخطاب السياسي الذي تبناه ترامب، والقائم على استعادة “الهيبة الأمريكية” وتقديم نفسه بوصفه صانع صفقات قادرًا على حل الأزمات المعقدة. وأضاف أن إعادة طرح الملف مجددًا تتيح لترامب فرصة الظهور كوسيط حاسم في نزاع طويل الأمد، بما يخدم صورته السياسية على المستويين الداخلي والخارجي.
وأشار إلى أن عودة الاهتمام الأمريكي بالسد تأتي كذلك في سياق التنافس الدولي المتصاعد داخل القارة الإفريقية، لا سيما مع تنامي النفوذ الصيني والروسي في إثيوبيا ودول حوض النيل، مؤكدًا أن السد لم يعد مجرد مشروع تنموي إثيوبي، بل تحول إلى نقطة ارتكاز جيوسياسية تؤثر بشكل مباشر في توازنات القوى الإقليمية.
ولفت إلى أن واشنطن ترى أن ترك الملف دون تدخل فعال يمنح القوى الدولية المنافسة مساحة أوسع لتعزيز نفوذها على حساب المصالح الأمريكية.
مخاوف أمريكية من تصعيد إقليمي بسبب أزمة المياه
وأكد الزغبي أن الملف يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن واستقرار حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وعلى رأسهم مصر، موضحًا أن الإدارة الأمريكية، رغم انشغالها بملفات دولية أكثر سخونة، تدرك أن أي تصعيد أو عدم استقرار ناتج عن أزمة المياه في حوض النيل قد يفتح الباب أمام صراعات إقليمية أوسع، بما يهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط.
وأضاف أن إعادة إحياء الملف تعكس محاولة استباقية لمنع تحول الخلاف الفني والقانوني إلى أزمة أمنية مفتوحة.
وتابع الزغبي أن إعادة طرح سد النهضة تحمل بعدًا تفاوضيًا بحتًا في عقلية ترامب السياسية، حيث يُمكن استخدام الملف كورقة ضغط متعددة الاتجاهات، سواء على إثيوبيا لدفعها نحو مزيد من المرونة التفاوضية، أو على مصر والسودان لإعادة تأطير الدور الأمريكي كضامن أو راعٍ لأي تسوية مستقبلية، مشيرًا إلى أن هذا النهج يتسق مع فلسفة “السياسة بالصفقات” التي ميزت إدارة ترامب.
قراءة براجماتية أمريكية تتجاوز البعد الإنساني والتنموي
واختتم سعيد الزغبي تصريحاته بالتأكيد على أن عودة سد النهضة إلى أجندة ترامب، رغم حالة التوتر الدولي الراهنة، لا تعكس أولوية إنسانية أو تنموية بقدر ما تعكس قراءة أمريكية براجماتية ترى في الملف مدخلًا لاستعادة النفوذ وضبط التوازنات الإقليمية، ومنع انزلاق منطقة حيوية إلى صراع مفتوح قد تتجاوز تداعياته حدود القارة الإفريقية.










