في أجواء احتفالية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، نظم مخيم «أهلنا وناسنا» ندوة ثقافية تناولت ملامح التراث الشعبي وغير المادي لمحافظة الأقصر، بمشاركة الدكتور عبد الكريم الحجراوي، والشاعر بكري عبد الحميد، وأدارها الدكتور مسعود شومان، حيث سلطت الندوة الضوء على البعد التاريخي والثقافي للأقصر وعلاقته بتشكيل الوعي الجمعي المصري.
وفي مستهل الندوة، قال الشاعر بكري عبد الحميد إن الأقصر تحمل علاقات خاصة بين الأولياء وبعض الأدباء، مثل علاقة الأديب الكبير يحيى الطاهر عبد الله بالشيخ موسى، وكذلك علاقة الدكتور أحمد شمس الدين بالشيخ الطيب، خاصة أن والده كان أحد مشايخ وأقطاب المدينة.
وأشار إلى أن بعض الأساطير الشعبية جرى توظيفها بشكل إيجابي، مثل أسطورة «السلطان الملك» التي استخدمها الأديب مأمون الحجاجي في روايته «السلطان الملك»، كما تناول الأسطورة التي تحكي عن وصول الشيخ أبو الحجاج الأقصري إلى المدينة وصراعه مع «الملكة تريز» التي كانت تحكم الأقصر آنذاك، وكيف تمكن بالحيلة من السيطرة عليها بالكامل، موضحًا أن مقام «الملكة تريز» ما زال قائمًا داخل مسجد سيدي أبو الحجاج، حيث دُفنت.
وتحدث عبد الحميد عن الأطعمة الشعبية في الأقصر، وعلى رأسها «الشلولو» المصنوع من الملوخية الناشفة، ويُحضّر بالماء البارد والليمون والثوم والبصل مع بعض التوابل، كما أوضح الفروق بين «الويكا» والملوخية والبامية الخضراء، التي يخلط البعض بينها.
وأشار أيضًا إلى الموالد التي تشتهر بها الأقصر، مثل مولد سيدي أبو الحجاج، ومولد سيدي أبو الجود، وسيدي الشيخ موسى أبو علي، موضحًا تفاصيل «الدورة» التي تُقام في اليوم التالي لليلة المولد، حيث يشارك الحرفيون وأبناء المدينة في مسيرة تجوب شوارع الأقصر وشارع النيل وصولًا إلى مقام الولي صاحب المولد، ليُزال عنه الرداء الذي ارتداه عامًا كاملًا ويُكسى برداء جديد.
وربط عبد الحميد هذه الطقوس باحتفالات مصر القديمة، حين كان الملك يخرج من معبد الكرنك ويغتسل في البحيرة المقدسة، ثم يبحر في النيل حتى يصل إلى معبد الأقصر، حيث تستقبله الجماهير على جانبي النهر قبل أن يدخل المعبد لإعلان تنصيبه ملكًا على البلاد.
ومن جانبه، تحدث الدكتور عبد الكريم الحجراوي عن الأقصر تاريخيًا، موضحًا أنها كانت جزءًا أساسيًا من الحضارة المصرية، وأن الدول الثلاث الكبرى في مصر القديمة، وهي الدولة القديمة والدولة الوسطى والدولة الحديثة، قامت في الأساس من الأقصر.
وأشار إلى أن ملوكًا كبارًا خرجوا من طيبة، مثل منتوحتب الذي خرج من أرمنت، وما زالت المدينة تحتفظ باسمها حتى الآن.
وأضاف أن الدولة الحديثة، التي طردت الهكسوس، جعلت الأقصر عاصمة لمصر لأكثر من 500 عام، موضحًا أن المدينة تعرضت لاحقًا للتهميش، إذ قامت بثورة في العهد الروماني جرى قمعها، وظلت مصر لفترة طويلة فاقدة لهويتها حتى جاء الفتح الإسلامي.
وأكد أن الأقصر لم تكن العاصمة الكبرى في تلك المرحلة، حيث انتقلت العاصمة إلى أسوان ثم إلى مدينة قوص، مشيرًا إلى أن اكتشاف وفك رموز حجر رشيد على يد شامبليون أعادا للأقصر مكانتها على الخريطة الثقافية.
وأشار الحجراوي إلى أن الأقصر تُعد محافظة حديثة نسبيًا، إذ صدر قرار جعلها محافظة مستقلة عام 2009 في عهد الرئيس حسني مبارك، كما لفت إلى أهمية مدينة إسنا التابعة للمحافظة، والتي كانت مركزًا إداريًا يتناوب مع قنا في إدارة الإقليم، وتتميز بثراء فنونها الشعبية.
وتحدث عن فن «الكف»، الذي يضم أكثر من 15 نوعًا مختلفًا، مشيرًا إلى أن الأقصر تشترك فيه مع أسوان، وذكر أسماء بارزة في هذا الفن مثل جابر العزب وأبنائه، وكذلك رشاد عبد العال، الذي أدخل آلات موسيقية كالعود إلى فن الكف، وكان من أبرز رموزه في أسوان.
وفي سياق المدائح النبوية، أشار إلى أسماء مثل عبد النبي الرنان، وأحمد برين، الذي وصفه بصاحب الصوت العذب وخفة الظل، مقارنًا إياه برموز ثقافية كبرى مثل نجيب محفوظ وأم كلثوم، موضحًا أن حظه كان أقل حظًا لتوفّيه قبل انتشار وسائل التواصل الحديثة، رغم إحيائه أكثر من 15 حفلًا في أوروبا.
كما أشار إلى أسماء معاصرة، من بينها منتصر الدحيح وأخوه سيد الأسماء، في مجال فن المواويل.
وتناول الحجراوي الموالد في مدينة إسنا، مثل مولد الأمير غانم، فاتح إسنا في العهد الإسلامي، ومولد سيدي أحمد بن إدريس، الذي يُعد الأكبر ويتميز بطقوس الرماح والتحطيب، إضافة إلى مولد السلطان عبد الجليل القادم من المغرب والمنتمي إلى نسل أهل البيت.
واختتم حديثه بالإشارة إلى فوز مدينة إسنا بجائزة «الآغا خان» في العمارة، وهي جائزة لم تحصل عليها مصر منذ عام 2009، مؤكدًا أن ذلك يبرز أهمية الحفاظ على التراث المعماري الفريد، وداعيًا إلى الاهتمام بالتراث غير المادي من غناء وعادات وأمثال، بوصفه دورًا أساسيًا لا يقل أهمية عن حماية الآثار المادية.










