حدث في ٢ رمضان .. اليوم الثاني من شهر رمضان لم يكن يومًا عابرًا في سجل التاريخ الإسلامي، بل ارتبط بأحداث مفصلية امتدت آثارها من الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا وأوروبا.
ففي هذا اليوم وقعت تحركات عسكرية كبرى، وتأسست مدن أصبحت منارات للعلم، وسقطت دول وقامت أخرى، لتؤكد أن رمضان لم يكن شهر عبادة فحسب، بل كان أيضًا شهر عملٍ وحسمٍ وصناعةٍ للتاريخ.
وفيما يلي أبرز الوقائع التي شهدها الثاني من رمضان عبر العصور:
الخروج لفتح مكة
في مثل هذا اليوم من شهر رمضان المبارك، خرج رسول الله ﷺ على رأس جيش المسلمين متوجهًا إلى مكة المكرمة لفتحها، بعد سنوات من الصراع مع قريش.
كان هذا التحرك إيذانًا بمرحلة جديدة في مسار الدعوة الإسلامية، حيث انتهى بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وترسيخ دعائم الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية.
الشروع في بناء مدينة القيروان
وفي الثاني من رمضان بدأ العمل في تأسيس مدينة القيروان بإشراف فاتحها القائد عقبة بن نافع رضي الله عنه، لتكون قاعدة للمسلمين في شمال أفريقيا ومنطلقًا لنشر الإسلام. وكلمة “القيروان” معرّبة عن اللفظ الفارسي “كاراوان” ومعناها موضع النزول أو معسكر الجيش.
وسرعان ما تحولت القيروان إلى مركز علمي بارز، اشتهرت بفقهائها وعلمائها، ومن أشهرهم الفقيه عبد الله بن أبي القيرواني صاحب “الرسالة” الفقهية.
ويعد جامع عقبة بن نافع من أبرز معالم المدينة التاريخية، ولا يزال شاهدًا على عمق حضورها الحضاري والعلمي.
أحداث عسقلان وقرار صلاح الدين
وفي مثل هذا اليوم أيضًا، غادر السلطان صلاح الدين الأيوبي مدينة عسقلان بعد أن أخلى سكانها من العرب وأمر بتخريبها وهدم أسوارها، خشية أن تقع في أيدي الصليبيين فيتخذوها قاعدة للانطلاق نحو بيت المقدس.
وقد سبق ذلك أن قال عبارته الشهيرة التي تعكس مدى تعلقه بالمدينة: “والله لموت جميع أولادي أهون علي من تخريب حجر واحد منها”، في إشارة إلى صعوبة القرار رغم ضرورته العسكرية.
معركة بلاط الشهداء
وفي 2 رمضان سنة 114هـ اندلعت معركة “بلاط الشهداء” بين المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي، والفرنجة بقيادة شارل مارتل، في المنطقة الواقعة بين مدينتي تور وبواتييه في فرنسا.
استمرت المعركة عشرة أيام امتدت من أواخر شعبان حتى أوائل رمضان. ولم تحسم المواجهة بانتصار صريح لأي من الطرفين، غير أن المسلمين انسحبوا ليلًا من ساحة القتال، لتكون هذه المعركة من أبرز المواجهات العسكرية في تاريخ الوجود الإسلامي بأوروبا.
فتح المغرب الأوسط
وفي الثاني من رمضان سنة 82هـ تحقق فتح المغرب الأوسط، بعد صراع طويل خاضته الجيوش الإسلامية في شمال أفريقيا ضد الروم والبربر. وكانت زعيمة البربر المعروفة بالكاهنة قد تمكنت من توحيد صفوف قومها ومقاومة المسلمين سنوات عدة.
ولم ينجح القائد زهير بن قيس في حسم المواجهة، حتى جاء القائد حسان بن النعمان الذي عزم على استكمال فتح بلاد المغرب، فانطلق إلى أواسطها والتقى بجيوش الكاهنة وانتصر عليها في رمضان من العام نفسه، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة تحت راية الدولة الإسلامية.
سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية
وشهد الثاني من رمضان سنة 132هـ تحولًا سياسيًا ضخمًا، حين استولى عبد الله أبو العباس على دمشق بعد جهود وصراعات استمرت سنوات، وذلك عقب خروج آخر الخلفاء الأمويين منها.
وبسقوط دمشق انتهى عهد الدولة الأموية التي امتدت قرابة تسعين عامًا، وبدأ عهد الدولة العباسية، لتكون ثاني سلالة عربية تحكم العالم الإسلامي بعد الأمويين، ولتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ السياسي والحضاري للأمة.
الاستيلاء على جزيرة كريت
وفي 2 رمضان سنة 1239هـ استولى المصريون على جزيرة كريت، التي عُرفت قديمًا عند العرب باسم “إقريطش”، وعند الأتراك باسم “جزيت”.
وتعد كريت اليوم أكبر الجزر اليونانية، وتقع في الحوض الشرقي للبحر المتوسط عند أقصى جنوب بحر إيجه.
وقد شكّل الاستيلاء عليها محطة مهمة في الصراع الإقليمي آنذاك، نظرًا لموقعها الاستراتيجي الحيوي.
وهكذا يظل الثاني من رمضان شاهدًا على أحداث جسام تنوعت بين الفتح والتأسيس، والمعارك والتحولات السياسية، بما يعكس أن هذا الشهر المبارك كان على مر العصور زمنًا لصناعة التاريخ بقدر ما هو موسم للعبادة والروحانية.










