حددت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان «تكاليف الزواج بين المبالغة والاعتدال» وذلك ضمن الإصدار الخمسين من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء».
الأوقاف تعلن موضوع خطبة الجمعة القادمة
وأكدت الأوقاف، في بيانها، أن الهدف المراد توصيله من موضوع خطبة الجمعة القادمة هو التحذير من المبالغة في تكاليف الزواج وما يترتب على ذلك من أعباء نفسية واجتماعية ومادية، مشيرة إلى أنها سبب مباشر في بعض ما يصل إليه الإنسان من ضغوط مؤثرة على حياته.
وإليكم نص موضوع خطبة الجمعة القادمة..
تكاليف الزواج بين المبالغة والاعتدال
الهدف: التحذير من المبالغة في تكاليف الزواج وما يترتب على ذلك من أعباء نفسية واجتماعية ومادية وأنها سبب مباشر في بعض ما يصل إليه الانسان من ضغوط موثرة على حياته.
الحمد لله خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه.
أما بعد
فالزواجُ سُنَّةٌ إلهيةٌ ماضية، أودع الله فيها سرَّ السَّكَن، وجعلها مَعينَ الطمأنينة، منها تنبثق الأسرة التي تُعَدُّ نواةَ المجتمع وأساسَ بنائه، ومنها يمتدُّ النسل وتستمرُّ الحياة، ولقد أحاط الإسلام هذا الرباط بعنايةٍ بالغة، لما يحمله من مقاصد سامية وحِكَم جليلة، فحثَّ عليه ورغَّب فيه، وفتح أبوابه بشروطٍ تحفظ كرامته وتصون غايته.
غير أنَّ مما يُعكِّر صفوَه، وربما يحُول دون تحقيقه، تلك المغالاةُ في المهور، والإسرافُ في تكاليفه، فتتحوَّل الفكرة من طمأنينةٍ تُرجى، إلى قلقٍ يُرهِق، ومن أملٍ يُزهر، إلى خوفٍ يُقيِّد؛ إذ يشعر المقبل على الزواج بأنَّه أمام عبءٍ يفوق طاقته، أو اختبارٍ لا يملك أدواته، فيتسلَّل إليه الإحباط، ويستبدُّ به التردُّد، وربما آثر العزوفَ عنه هربًا من ألمٍ متوقَّع، لا من حقيقة الزواج في ذاته، بل مما أُضيف إليه من مطالب وتعقيداتٍ لا تمتُّ إلى مقاصده بصلة، إذ هي أمورٌ لم يجعلها الشرع مقصدًا، ولم يدع إليها، بل جاءت مخالفةً لروحه السمحة التي تقوم على التيسير ورفع الحرج، ومن هنا كان لزامًا بيان خطرها، والتنبيه إلى أثرها في صدِّ الناس عن هذا الميثاق الغليظ.
أعظم النكاح بركة أيسره:
إنَّ أصدقَ الشواهدِ على أنَّ التيسيرَ هو مِشكاةُ الزواجِ الوضَّاءة، وروحُ مِيثاقهِ الغليظ، ما أخبر بهِ الرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم – في قولهِ المأثور: «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» [رواه البيهقي]؛ وأكد النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا المعنى في قوله الشريف: «خيرُ النِّكاحِ أيسرُه» [رواه ابن حبان]، فبذاك البيانِ النبويِّ السامق، ظهر جليًّا أنَّ النماءَ واليُمنَ معقودانِ برباطِ القصدِ والرفق، بعيداً عن غلواءِ الكلفةِ التي تُرهقُ كاهلَ المودة، وجنونِ التباهي الذي يئدُ بهجةَ الوصال.
وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً» [رواه أحمد في مسنده].
قال الإمام المناوي: “قال العامري: أراد المرأة التي قنعت بالقليل من الحلال عن الشهوات وزينة الحياة الدنيا، فخفت عنه كلفتها، ولم يلتجئ بسببها إلى ما فيه حرمة أو شبهة، فيستريح قلبه وبدنه من التعنت والتكلف، فتعظم البركة لذلك، وفي رواية: «أيسرهن مُهورا»، وفي أخرى: «أيسرهن صَداقا»، وأقلهن بركة من هي بضد ذلك؛ وذلك لأنه داع إلى عدم الرفق، والله سبحانه وتعالى رفيق يحب الرفق في الأمر كله، قال عروة: أول شؤم المرأة كثرة صداقها” [فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي].
وعن عُرْوة بن الزُّبَير، عن عائشة، أنها قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «مِن يُمنِ المرأةِ أن يُتَيسَّرَ في خِطبتِها، وأن يَتَيَسَّر صَدَاقُها، وأن يَتَيسَّر رَحِمُها، قال عُرْوة: يعني يَتَيسَّر رحمُها للولادة، قال عُرْوة: وأنا أقول من عندي: من أول شُؤْمها أن يَكثُر صَداقُها» [رواه الحاكم].
وقد عدَّ حجة الإسلام الغزالي التيسير في أمور الزواج ضمن خصال ثمانية ينبغي أن تراعى حتى يدوم العقد وتحصل مقاصده، فقال: “أما الخصال المطيبة للعيش التي لا بد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد وتتوفر مقاصده: ثمانية: الدين، والخلق، والحسن، وخفة المهر، والولادة، والبكارة، والنسب، وأن لا تكون قرابة قريبة”، ثم قال عن خفة المهر: “الرابعة: أن تكون خفيفة المهر؛ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «خير النساء أحسنهن وجوها وأرخصهن مهورا»، وقد نهى عن المغالاة في المهر،،، وكان عمر رضي الله عنه ينهي عن المغالاة في الصداق، ويقول: “ما تزوج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا زوَّج بناته بأكثر من أربعمائة درهم”، ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وقد تزوج بعض أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على نواة من ذهب قيمتها خمسة دراهم” [إحياء علوم الدين، للغزالي].
ومن حرص سيدنا عمر بن الخطاب على تيسير الزواج وعدم المغالاة في المهور؛ قال على المنبر يوما: “ألا لا تغالوا في صَدُقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؛ ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية”، فقامت إليه امرأة، فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا أنت؟ أليس الله سبحانه يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] فقال عمر: “امرأة أصابت وأمير أخطأ”، قال ابن العربي: وهذا لم يقله عمر على طريق التحريم، وإنما أراد به الندب إلى التعليم [أحكام القرآن لابن العربي]، واعتراض المرأة كان على جعل تحديد المهور قانونًا ملزمًا، واقتنع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن ذلك يأتي بطريق الاقتناع والوعي العام لا عن طريق فرض القانون [قانون الزواج والطلاق، عبد السلام شريف].
التحذير من الإسراف والتبذير مبدأ قرآني:
ولا شك أن المبالغة في تكاليف الزواج تُعدّ صورةً من صور التبذير والإسراف، وهو مما نهى عنه الشرع الشريف، لما فيه من إهدار المال فيما لا تدعو إليه الحاجة، وتحويل النعم إلى أسبابٍ للثِّقل والعناء بدل أن تكون وسيلةً للراحة والاستقرار، قال تعالى في ذم الإسراف: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [سورة الإسراء:٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [سورة الفرقان:٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [سورة الإسراء:٢٦-٢٧]، فدلّ على أن التبذير ليس مجرد سلوكٍ اجتماعي غير مستحب، بل انحرافٌ عن منهج الاعتدال الذي جاءت به الشريعة.
قال الزمخشري: “التبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه الإسراف، وكانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في أشعارها، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرِّب منه ويزلف، وعن عبد الله: هو إنفاق المال في غير حقه، وعن مجاهد: لو أنفق مدّا في باطل كان تبذيرًا،،،، وعن عبد الله بن عمرو: مرّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أو في الوضوء سرف؟ قال، نعم وإن كنت على نهر جار.
“إِخْوانَ الشَّياطِينِ” أمثالهم في الشرارة وهي غاية المذمّة، لأنه لا شرّ من الشيطان، أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف، أو هم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد [تفسير الكشاف].
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ لَهُ: «فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ» [رواه مسلم] قال النووي: “قال العلماء: معناه أن ما زاد على الحاجة فاتخاذه إنما هو للمباهاة والاختيال والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذموم، وكل مذموم يضاف إلى الشيطان؛ لأنه يرتضيه، ويوسوس به ويحسِّنه ويساعد عليه” [شرح النووي على مسلم].
الأصل في الزواج الجوهر وليس المظهر:
أولى القرآن هذه القضية أهمية كبرى وذلك حينما جعل معيار القبول في الزواج هو الصلاح وليس الغنى.
فإن الغنى فضل من الله يأتي مع النكاح، وليس شرطًا تعجيزيًا؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
قال الإمام القرطبي: ” أي: لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة،،، وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصاما من معاصيه، وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، وتلا هذه الآية، وقال عمر رضي الله عنه: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ورُوي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «ثلاثة كلهم حق على الله عونه: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتَب يريد الأداء»، أخرجه ابن ماجه في سننه” [الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي].
وكان مهر بناته ﷺ نحو أربعمائة درهم تقريبًا، وهو مقدار يسير مقارنة بما نراه اليوم،عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حِينَ زَوَّجَ عَلِيًّا فَاطِمَةَ قَالَ: «يَا عَلِيُّ، لَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تُقَدِّمَ لَهُمْ شَيْئًا» فَقَالَ: مَا لِي شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَعْطِهَا دِرْعَكَ الْحُطَمِيَّةَ» قَالَ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ: قَالَ أَبِي: «فَقُوَّمْتُ الدِّرْعَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا» [رواه الطبراني في الأوسط].
وقَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: إِنَّ عِنْدِي ابْنَةً لِي وَقَدْ خُطِبَتْ إِلَيَّ فَمَنْ أُزَوِّجُهَا؟ قَالَ: «زَوِّجْهَا مَنْ يَخَافُ اللَّهَ فَإِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا» [النفقة على العيال لابن أبي الدنيا].
وإليك هذا الصنيع العجيب من تابعي جليلي؛ فعَنْ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَفَقَدَنِي أَيَّامًا فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قُلْتُ: تُوُفِّيَتْ أَهْلِي فَاشْتَغَلْتُ بِهَا، فَقَالَ: أَلَا أَخْبَرْتَنَا فَشَهِدْنَاهَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ فَقَالَ: هَلِ اسْتَحْدَثْتَ امْرَأَةً؟ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَمِنْ يُزَوِّجُنِي، وَمَا أَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ فَقَالَ: أَنَا، فَقُلْتُ: وَتَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَحَمَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَزَوَّجَنِي عَلَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَقُمْتُ، وَمَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ مِنَ الْفَرَحِ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَجَعَلْتُ أَتَفَكَّرُ مِمَّنْ آخُذُ وَمِمَّنْ أَسْتَدِينُ، فَصَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ وَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَكُنْتُ وَحْدِي صَائِمًا، فَقَدَّمْتُ عَشَائِي أُفْطِرُ، وَكَانَ خُبْزًا وَزَيْتًا، فَإِذَا بَابِي يُقْرَعُ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: سَعِيدٌ، فَفَكَّرْتُ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ اسْمُهُ سَعِيدٌ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا بَيْنَ بَيْتِهِ وَالْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ فَخَرَجْتُ فَإِذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُكَ، قَالَ: لَا، أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُؤْتَى، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ رَجُلًا عَزَبًا فَتَزَوَّجْتَ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَكَ اللَّيْلَةَ وَحْدَكَ، وَهَذِهِ امْرَأَتُكَ فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ مِنْ خَلْفِهِ فِي طُولِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا فَدَفَعَهَا فِي الْبَيْتِ وَرَدَّ الْبَابَ، فَسَقَطَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْحَيَاءِ فَاسْتَوْثَقْتُ مِنَ الْبَيْتِ ثُمَّ تَقَدَّمْتُهَا إِلَى الْقَصْعَةِ الَّتِي فِيهَا الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ فَوَضَعْتُهَا فِي ظِلِّ السِّرَاجِ لِكَيْلَا تَرَاهُ ثُمَّ صَعَدْتُ إِلَى السَّطْحِ فَرَمَيْتُ الْجِيرَانَ فَجَاءُونِي فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: زَوَّجَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِنْتَهُ الْيَوْمَ وَقَدْ جَاءَ بِهَا عَلَى غَفْلَةٍ، فَقَالُوا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ زَوَّجَكَ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهَا هِيَ فِي الدَّارِ، قَالَ: فَنَزَلُوا إِلَيْهَا وَبَلَغَ أُمِّي فَجَاءَتْ، فَقَالَتْ: وَجْهِي فِي وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ أَمْسَسْتَهَا قَبْلَ أَنْ أُصْلِحَهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: فَأَقَمْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا هِيَ أَجْمَلُ النِّسَاءِ وَأَحْفَظُ النَّاسِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -، وَأَعْرَفُهُمْ بِحَقِّ الزَّوْجِ،، [سير السلف الصالحين للأصبهاني، الحلية لأبي نعيم].
وإنك لتلحظ أن سعيد بن المسيب، بما أوتي من فقه وبصيرة، يعطينا معاشر الآباء والأمهات درسا في أن الأصل في الزواج إنما هو جوهر الشخص، وأنه أعان زوج ابنته على إتمام أمر زواجه، دون التفات منه إلى العادات والتقاليد ونظرة المجتمع.
من أسباب المبالغة في تكاليف الزواج:
ضغط العادات والتقاليد:
كثيرٌ من الأسر لا تنظر إلى الزواج بوصفه ميثاقًا قائمًا على المودّة والرحمة، بقدر ما تنظر إليه كـ”مناسبة اجتماعية” ينبغي أن تخرج في أبهى صورة، موافقةً لما اعتاده الناس، ومجاراةً لما جرى عليه العُرف، فيُصبح الشغل الشاغل للأسرة: كيف نُظهر زواج ابنتنا أو ابننا بمظهرٍ لا تنال منا بسببه ألسنة الناس؟، وليس: كيف نُيسِّر ونُبارك، ونحقق المقصد الأسمى من الزواج.
وهنا يتحوَّل العُرف من كونه إطارًا اجتماعيًّا يُراعى فيه المقبول، إلى سُلطةٍ ضاغطة تُفرِض على الأهل والشباب أنماطًا من الإنفاق والتجهيز والمظاهر الاحتفالية قد لا يقدرون عليها، فيُضطرون للخضوع لها مُكرهين، خشية اللوم أو المقارنة بالآخرين أو الانتقاص، فتُطلب المهور المرتفعة، وتُفرض قائمةٌ طويلةٌ من المطالب والتجهيزات، ويبالَغُ في حفلاتٍ ومظاهر لا تضيف إلى الزواج استقرارًا، ولا تزيده بركة.
وهذا الضغط الاجتماعي لا يقف عند حدود المال، بل يمتدُّ إلى النفس، فيُولِّد القلقَ، ويُغذِّي الشعور بالعجز، ويجعل الشابَّ والفتاةَ يعيشان تحت وطأة توقُّعاتٍ ثقيلة، فيتأخر الزواج، أو يتمُّ مثقلًا بالتوتر والديون، بدل أن يبدأ هادئًا مطمئنًّا.
ومن هنا، فإنَّ تحرير الزواج من هيمنة هذه العادات، وردَّه إلى ميزان الشرع القائم على التيسير، ليس مجرد إصلاحٍ اجتماعي، بل هو إنقاذٌ للنفوس من ضغوطٍ تُعطِّل الفطرة، وتُبدِّد السكينة التي شُرع الزواج لأجلها.
المقارنات الاجتماعية:
ومن الأسباب البارزة التي تُغذِّي المبالغة في تكاليف الزواج: المقارناتُ الاجتماعية، ذلك الداءُ الصامت الذي يتسرَّب إلى النفوس، خاصة من وسائل التواصل الاجمتماعي، فيُفسد صفو النيات، ويُثقِل كاهل البدايات.
فحين يُقاس زواجُ شخصٍ بزواج آخر، وتُوزنُ السعادةُ بميزان المظاهر، ينصرف الاهتمام من جوهر العلاقة إلى قشورها؛ فيُقال: كيف كان حفل فلان؟ وكم بلغ مهر فلانة؟ وما مستوى التجهيزات؟ فتتحوَّل المناسبة من ميثاقٍ للرحمة، إلى ساحةِ منافسةٍ خفيّة، يسعى فيها كلُّ طرفٍ إلى مجاراة غيره أو التفوُّق عليه، دون تقدير لتفاوت القدرة المالية من أسرة إلى أخرى، وهو ما يؤدي إلى تحمل أعباء مالية فوق الطاقة ولو بالاستدانة، رغم اليقين من عدم القدرة على السداد، عندئذٍ تكون العواقب أليمة ووخيمة.
ربط السعادة بالماديات لا بالقيم:
من أخطر ما يُفاقم المبالغة في تكاليف الزواج: ربطُ السعادة بالماديات لا بالقيم؛ إذ ينزلق كثيرٌ من الناس إلى وهمٍ مفاده أنَّ السعادة تُشترى، وأنَّ بهجة البداية تُقاس بحجم الإنفاق، لا بصدق المودَّة وصفاء النيَّة.
فتُختزل الحياة الزوجية في مظاهر عابرة: حفلٍ مُترف، وتجهيزاتٍ فاخرة، وصورٍ تُبهِر الأعين لحظاتٍ، ثم لا تلبث أن تخبو، بينما تُهمَل القيم التي تُبقي السعادة حيَّة: من رحمةٍ، وتفاهمٍ، وصبرٍ، وحسن عشرة، وهنا يحدث الخلل؛ إذ يُحمَّل الزواج ما لا يحتمل، ويُطالَب بأن يُنتج سعادةً فوريةً من مظاهر خارجية، في حين أن السعادة الحقيقية ثمرةُ بناءٍ داخليٍّ طويل.
وهذا الربط الزائف لا يرهق الجيوب فحسب، بل يُثقِل القلوب أيضًا؛ فينشأ قلقٌ دائم من عدم القدرة على مجاراة هذا النموذج المادي، ويشعر الشابُّ والفتاة بأنهما إن لم يبلغا هذا المستوى من الإنفاق فلن يبلغا السعادة المنشودة، فتتولَّد مشاعر النقص، ويتعاظم الخوف من الفشل قبل أن تبدأ الرحلة.
والحقُّ أنَّ السعادة في الزواج لا تُولَد من وفرة المال، بل من وفاء القلوب؛ ولا تُصان بكثرة المظاهر، بل بثبات القيم، فإذا استُعيد هذا الميزان، خفَّت الأعباء، وسكنت النفوس، وعاد الزواجُ إلى حقيقته: ميثاقًا تُبنى فيه السعادة على المعاني لا على الأثمان.
آثار المبالغة في تكاليف الزواج:
تعطيل سُنّة الزواج وتأخيره:
حين ترتفع التكاليف فوق طاقة الشباب، يقف كثيرٌ منهم عاجزين عن الإقدام، فيتأخر الزواج أو يعزف عنه، رغم الحثّ الشرعي عليه، مما يُفضي إلى خللٍ في البناء الاجتماعي، وتعطيلٍ لمقصد الإعفاف، وهذا ما حذر منه النبي ﷺ أشد التحذير حين قال: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ، قَالَ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضُ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، «النفقة على العيال لابن أبي الدنيا»، وتأملوا كلمة “فساد عريض”؛ أي فساد يشمل الأخلاق، والأنساب، والأمن المجتمعي.
استنزاف الموارد الأسرية:
ضغط التكاليف لا يقع على الزوجين فقط، بل يمتد للأهل الذين قد يستنزفون مدخرات العمر، أو يضطرون إلى الاقتراض والاستدانة، لإتمام هذه الزواج، ناهيك عن أن بعض الشباب أقدم على مثل هذه القروض ليستطيع أن يبدأ حياة جديدة، غير أن هذه الحياة مكرسة لسداد الديون بدلا من الاستقرار النفسي والمالي.
تضييق المباح وفتح أبواب الانحراف:
إذا ضاق الحلال وتعسّر، قد ينفتح باب الحرام؛ لأن الفطرة لا تُلغى، وإنما تحتاج إلى مسارٍ مشروع، فإذا أُعيق هذا المسار، ظهرت آثار ذلك في انحراف السُّلوك واضطراب القيم.
زوال البركة وضعف الاستقرار:
الإسراف والتكلّف ممّا يُنقص البركة، بخلاف التيسير الذي يجلبها؛ كما شهدت بذلك الأحاديث النبوية التي ذكرناها من قبل، فيبدأ الزواج مثقَلًا بالديون والأعباء، مما يُضعف استقراره، ويُهدد استمراره منذ خطواته الأولى.
ظلم البنات واستغلال حيائهن:
نجد في مجتمعاتنا بعض أولياء الأمور بهم من الطمع والجشع فيمنعون الزواج طمعًا في المال، مع أنهم لو نظروا بعين الرحمة فسيكون الأمر مختلف؛ لأن البنت تحتاج إلى الستر والعفاف، قال تعالي: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] .
وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
الضغوط النفسية وتفاقم القلق الاجتماعي:
تُسهم التكاليف المبالغ فيها في توليد حالةٍ من الضغط النفسي المستمر لدى الشباب وأسرهم، إذ يجدون أنفسهم أمام أعباء تتجاوز إمكاناتهم، وتوقعاتٍ اجتماعية يصعب الوفاء بها، ومع تكرار المقارنات وتضخُّم المطالب، يتسلّل إلى النفس شعورٌ بالعجز، ويتنامى الخوف من الفشل قبل الإقدام أصلًا على الزواج.
ومع هذا المناخ المثقل، يتحوّل الزواج في الوعي من بابٍ للسكينة والاستقرار إلى مصدر قلقٍ وتوتّر، فتضعف الثقة بالقدرة على التأسيس، ويزداد التردد، ويتراجع الإقبال، لا لغياب الرغبة في العفاف، بل لهيمنة الضغوط التي تُربك القرار وتُنهك النفس، فتفقد السكينة التي أرادها الشرع لهذا الميثاق العظيم.
نماذج مضيئة من تيسير المهور:
عن سهل بن سعد الساعدي أنَّ رسولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – جاءتْهُ امرأةٌ فقالت إنِّي وَهبتُ نفسي لَك، فقامت طويلاً فقالَ رجلٌ يا رسولَ اللَّهِ فزوِّجنيها إن لم تَكن لَكَ بِها حاجةٌ، فقالَ: «هل عندَكَ من شيءٍ تصدقُها»، فقالَ ما عندي إلاَّ إزاري هذا، فقالَ رسولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «إزارَكَ إن أعطيتَها جلستَ ولاَ إزارَ لَكَ فالتمس شيئًا» قالَ: ما أجد، قالَ: «فالتمس ولو خاتمًا من حديدٍ»، قالَ فالتمسَ فلم يجد شيئًا فقالَ رسولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «هل معَكَ منَ القرآنِ شيءٌ»، قالَ نعم سورةُ كذا وسورةُ كذا، لسورٍ سمَّاها فقالَ رسولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «زوَّجتُكَها بما معَكَ منَ القرآنِ» [رواه الترمذي].
وعن عقبة بن عامر- رضي الله عنه- أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لرجلٍ : أترضَى أنْ أزوِّجَكَ فلانةً ؟ قال : نعم وقال للمرأةِ : أترضَينَ أنْ أزوِّجَكِ فلانًا ؟ قالتْ : نعم فزوَّج أحدَهما صاحبَه فدخل بها الرجلُ ولم يفرضْ لها صَداقًا ولم يعطِها شيئًا وكان ممَّنْ شهِد الحديبيةَ فلمَّا حضرَتْهُ الوفاةُ قال : أُشهِدكم أنِّي قد أعطيتُها من صداقِها سهمي بخيبرَ فباعتْهُ بمائةِ ألفٍ [رواه أبو داود، وابن حبان، والحاكم].
ولقد تزوجت سيدتنا أم سليم زوجها طلحة وجعلت مهرها إسلامه، فما أعظمها وأكرم مهرها، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا»، قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ: الْإِسْلَامَ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ [رواه النسائي في السنن].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:” جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَار، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟»، قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَل، مَا عَنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ»، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فيهم”[رواه مسلم].
دراسة حديثة حول المغالاة:
ذكر أحد الباحثين في بحثه: “احتفالات الأفراح بين مظاهر الإسراف وسبل الترشيد دراسة منهجية في ضوء القرآن والسنة” أن الأفراح تحولت في عصرنا من وسيلة لإعلان الحلال والبهجة إلى “عقبة كؤود” تسببت في عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع معدلات العنوسة، وقد دفع هذا إلى حلول سلبية كالزواج السري أو الانحراف، وصولًا إلى بروز ظاهرة “الغارمات” اللاتي يسجنّ بسبب ديون تجهيز العرائس.
وقد بيّن مظاهر الإسراف في مراحل الخطوبة والزفاف من خلال ما يأتي:
١. جلسات التصوير (الفوتوسيشن): أصبحت ركنًا أساسيًا يكلف آلاف الجنيهات، وتجاوزت حدود الخصوصية بنشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي مما يضعف قيمة “الغَيرة”.
٢. المغالاة في المهور والحلي: الربط الخاطئ بين قيمة المرأة المادية وكرامتها، بينما السنة النبوية تدعو إلى التيسير، كما في قصة تزويج الصحابي بما معه من القرآن.
٣. السلع التفاخرية في المنقولات: شراء كميات هائلة من الملابس (الكسوة) والأثاث المذهَّب، والتي لا تستخدم غالبًا، بدافع التقليد الأعمى لثقافات أخرى.
٤. وليمة العرس: تحولت من سنة مندوبة لإطعام الطعام إلى دائرة المكروهات بسبب إعداد أصناف ضخمة تلقى في النفايات، وحصر الدعوات على الأغنياء دون الفقراء.
ثم ذكر الآثار المترتبة على الإسراف، وهي:
١. الديون والضغوط النفسية: تحول سنوات الزواج الأولى من مودة وسكينة إلى “جحيم” بسبب ملاحقة الديون والالتزامات المادية.
٢. الإفلاس العام: فقد تؤدي الأفراح الأسطورية إلى استنزاف خزائن الدول وإفلاس الأسر الثرية.
وختم ذلك بالحلول العملية وسبل الترشيد والمبادرات المقترحة، من خلال ما يأتي:
١. مبادرة “لتسكنوا إليها”: الصادرة عن الأزهر الشريف، والتي تدعو لقصر الخطوبة على قراءة الفاتحة، والاتفاق على الذهب بالقيمة، وتأجيل الكماليات.
٢. التوعية المجتمعية: عقد دورات تدريبية للأهل والزوجين لتغيير ثقافة “الاستهلاك المظهري”.
٣. القدوة المجتمعية: دعوة كبار العائلات والأثرياء لتبني التيسير ليكونوا قدوة لغيرهم.
٤. الجلسات القرآنية: دعوة الزوجين لجعل بيت الزوجية مكانًا للطاعة والذكر بدلًا من البدء بالمعاصي والإسراف [احتفالات الأفراح بين مظاهر الإسراف وسبل الترشيد دراسة منهجية في ضوء القرآن والسنة، للدكتور/ عمرو درويش].
إجراءات عملية لمواجهة المغالاة في المهور:
أولا: إحياء القيم النبوية، وذلك عن طريق التذكير الدائم بقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة”، وترسيخ قاعدة أن المهر وسيلةٌ لتكريم المرأة وليس ثمنا لها أو عائقا أمام ستر الشباب.
ثانيا: التأكيد على دور القدوة والوجهاء، فعلى قادة الرأي والعلماء والوجهاء في القبائل والعائلات أن يكونوا أول من يطبق التيسير، لتصبح “قلة المهر” ثقافة تفتخر بها الأسر بدلا من التباهي بالأرقام الفلكية.
ثالثا: تغيير النظرة المجتمعية لمسألة المغالاة في المهر، ومحاولة التوقف عن ربط قيمة الفتاة المادية بمقدار مهرها، فالفتاة تُقدّر بدينها وأدبها وعلمها، والرجل يُختار لأمانته وخلقه لا لامتلاء جيبه، عملًا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”.
رابعا: العمل على تشجيع مبادرات تيسير الزواج، عن طريق دعم حفلات الزواج الجماعية، والابتعاد عن الإسراف في الكماليات والمظاهر التي تسبق وتتبع عقد الزواج، والتي ترهق كاهل الزوج وتجعله يبدأ حياته مثقلًا بالديون.
خامسا: ترسيخ التوعية الأسرية، بأن يدرك أولياء الأمور أن التيسير على الشاب الكفء هو استثمار في سعادة ابنتهم واستقرارها؛ فالدَّين الذي يدفعه الشاب مهرًا غاليًا قد يُنتزع من رفاهية زوجته مستقبلا.










