في كل مرة تستقبل فيها مدينة الإسكندرية ضيفًا رفيع المستوى، تبدو وكأنها تستعيد شيئًا من روحها القديمة؛ تلك المدينة التي عاشت قرونًا بوابةً للثقافات، وميناءً للأفكار، وعنوانًا للحوار بين الشرق والغرب. لكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الإسكندرية لم تكن مجرد محطة بروتوكولية في جدول دبلوماسي مزدحم، بل حملت رسائل أعمق بكثير من الصور الرسمية أو الكلمات المعتادة ، كانت زيارة تعكس حجم العلاقة المتنامية بين مصر وفرنسا، وتكشف كيف تحولت هذه الشراكة خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج للتعاون السياسي والاقتصادي والثقافي القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
الإسكندرية نفسها كانت اختيارًا يحمل دلالة خاصة ، فهذه المدينة التي احتضنت عبر التاريخ جنسيات وثقافات متعددة، تبدو أكثر المدن المصرية قدرة على التعبير عن فكرة الانفتاح والتواصل الحضاري وبين شوارعها القديمة المطلة على البحر المتوسط، بدا المشهد وكأن التاريخ يلتقي بالحاضر؛ فرنسا التي طالما ارتبطت ثقافيًا وفكريًا بمصر، تعود اليوم لتؤكد أن العلاقات بين البلدين لم تعد مجرد امتداد للماضي، بل شراكة حقيقية تتجه نحو المستقبل.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات المصرية الفرنسية تطورًا لافتًا على مختلف المستويات ، فمنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، اتجهت السياسة المصرية نحو بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى، تقوم على تنوع الشراكات وعدم الارتهان لاتجاه واحد ، وفي هذا الإطار، برزت فرنسا باعتبارها واحدة من أهم الدول الأوروبية التي اختارت بناء علاقة استراتيجية قوية مع مصر، إدراكًا منها لمكانة القاهرة المحورية في المنطقة، ولدورها المؤثر في ملفات الأمن والاستقرار والطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب.
ولعل ما يميز هذه العلاقة أنها لم تبق حبيسة التصريحات السياسية، بل ترجمت نفسها إلى تعاون فعلي على الأرض ، ففرنسا أصبحت شريكًا اقتصاديًا مهمًا لمصر، عبر استثمارات ومشروعات متعددة في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية والتعليم والصحة ، كما شاركت الشركات الفرنسية في تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى التي تمثل جزءًا من عملية التنمية التي تشهدها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
ومن بين أكثر المشاهد التي تعكس طبيعة هذا التعاون، ما يتعلق بقطاع النقل والمواصلات، حيث لعبت الشركات الفرنسية دورًا بارزًا في مشروعات مترو الأنفاق والقطار الكهربائي، وهي مشروعات لا ترتبط فقط بتطوير الخدمات، بل تمثل جزءًا من رؤية أوسع لبناء مدن حديثة وتحسين جودة الحياة للمواطنين ، فحين تصبح الشراكة الدولية مرتبطة مباشرة بحياة الناس اليومية، تتحول من مجرد اتفاقيات إلى علاقة يشعر المواطن العادي بآثارها الحقيقية.
لكن أهمية العلاقات المصرية الفرنسية لا تتوقف عند الاقتصاد فقط، بل تمتد إلى البعد السياسي والاستراتيجي. فالعالم اليوم يعيش حالة من الاضطراب والتغير السريع، والمنطقة العربية تواجه تحديات متشابكة تتعلق بالأمن والاستقرار والهجرة غير الشرعية والأزمات الإقليمية ، وفي ظل هذه الظروف، أصبحت مصر تمثل بالنسبة لأوروبا شريكًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن الإقليمي، بينما ترى القاهرة في التعاون مع فرنسا فرصة لتعزيز حضورها الدولي وتوسيع دائرة الشراكات المؤثرة.
وقد أظهرت العديد من المواقف السياسية وجود تقارب واضح بين البلدين تجاه قضايا المنطقة، خاصة فيما يتعلق بأهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ودعم الحلول السياسية، ورفض الفوضى والصراعات التي تهدد استقرار الشعوب. وهذا التفاهم السياسي منح العلاقة بين القاهرة وباريس بعدًا أعمق من مجرد المصالح الاقتصادية، وجعلها أقرب إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى.
ومن الجوانب المهمة أيضًا في هذه العلاقة، البعد الثقافي والإنساني ، فالعلاقة بين مصر وفرنسا ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد جذورها لعقود طويلة من التبادل الثقافي والفكري ، الجامعات الفرنسية، والمراكز الثقافية، والمدارس الفرنكوفونية في مصر، كلها لعبت دورًا في بناء جسور حقيقية بين الشعبين ، كما أن مصر لطالما احتلت مكانة خاصة في الوجدان الثقافي الفرنسي، بما تملكه من حضارة وتاريخ وتأثير إنساني ممتد عبر آلاف السنين.
ولهذا جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إلى الإسكندرية وكأنها تذكير بهذه الروابط القديمة، لكن بروح جديدة تناسب عالم اليوم. عالم لم تعد فيه العلاقات الدولية تُقاس فقط بحجم الصفقات، بل بقدرة الدول على بناء شراكات إنسانية وثقافية وتنموية طويلة الأمد.
كما أن الزيارة حملت رسالة مهمة تتعلق بصورة مصر الحالية أمام العالم ، فاختيار الإسكندرية، والتحرك داخل مدينة مصرية بتاريخها وحيويتها، يعكس إدراكًا دوليًا لحالة الاستقرار التي استطاعت الدولة المصرية الحفاظ عليها رغم التحديات الإقليمية الصعبة ، وفي وقت تعاني فيه دول كثيرة من الاضطرابات، تبدو مصر بالنسبة لشركائها نموذجًا للدولة القادرة على التماسك والاستمرار في التنمية بالتوازي مع مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.
ومن اللافت أيضًا أن العلاقات المصرية الفرنسية حافظت على توازنها رغم اختلاف المصالح أحيانًا أو تنوع الرؤى في بعض الملفات ، وهذه نقطة مهمة جدًا، لأن قوة العلاقات الدولية لا تُقاس بغياب الخلافات، بل بقدرة الدول على إدارة تلك الاختلافات في إطار من الاحترام المتبادل والحوار المستمر. وهو ما نجحت فيه القاهرة وباريس خلال السنوات الماضية.
وفي الحقيقة، فإن الحديث عن الشراكة بين مصر وفرنسا لا يتعلق فقط بالحاضر، بل بما يمكن أن تصنعه هذه العلاقة مستقبلًا. فهناك فرص واسعة للتعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة النظيفة والتعليم والذكاء الاصطناعي والسياحة والثقافة ، ومع امتلاك مصر لموقع استراتيجي وسوق كبيرة وموارد بشرية ضخمة، وامتلاك فرنسا لخبرات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية متقدمة، تبدو إمكانية بناء نموذج ناجح للتعاون بين ضفتي المتوسط أمرًا واقعيًا للغاية.
وفي النهاية، تبقى زيارة الرئيس الفرنسي إلى الإسكندرية أكثر من مجرد حدث سياسي عابر إنها صورة لعلاقة تتطور بثبات، ورسالة تؤكد أن الشراكات الحقيقية تُبنى على الثقة والرؤية المشتركة والاحترام المتبادل ، وبين البحر الذي جمع الحضارات يومًا، بدت الإسكندرية وكأنها تقول إن المستقبل لا تصنعه الدول المنغلقة، بل تلك القادرة على الحوار والتعاون والانفتاح.
وهكذا، لم تكن الزيارة مجرد لقاء بين رئيسين، بل كانت مشهدًا يعبر عن مرحلة جديدة من العلاقات المصرية الفرنسية؛ مرحلة تقوم على التنمية والتفاهم والشراكة، وتفتح الباب أمام مستقبل يبدو أكثر تعاونًا واستقرارًا، ليس فقط للبلدين، بل للمنطقة بأكملها.










