إذا كان مصطلح “الحاكمية” هو الطُعم الذي يلقيه منظرو التطرف في بحر الشباب، فإن “الجاهلية الحديثة” هي الشبكة التي يسحبونهم بها إلى الشاطئ، فالمفهومان ليسا منفصلين، بل يقوم أحدهما على الآخر في بناء فكري متماسك داخلياً وبالغ الخطورة عملياً؛ إذ تبدأ الرحلة بإقناع الشاب بأن الأنظمة لا تحكم بما أنزل الله، ثم تنتهي بإقناعه بأن المجتمع كله قد ارتد إلى “الجاهلية”، وأن الناس من حوله – أفراداً ومؤسسات – يعيشون خارج الإسلام الحقيقي. ومن هنا تتحول الفكرة من مجرد تنظير فكري إلى مشروع صدام شامل مع المجتمع والدولة.
وقد مثل توظيف مصطلح “الجاهلية الحديثة” نقطة التحول الأخطر في خطاب الحركات المتشددة المعاصرة. صحيح أن لفظ “الجاهلية” معروف في التراث الإسلامي منذ القدم، إلا أن استخدامه كوصف شامل للمجتمعات الإسلامية الحديثة لم يظهر بصورته الراديكالية إلا مع كتابات “سيد قطب”، خاصة في كتابه “معالم في الطريق” وبعض المواضع في الطبعات المعدلة من “في ظلال القرآن”. فقد استعار “قطب” المفهوم من “أبي الأعلى المودودي”، لكنه أعاد صياغته ضمن مشروع فكري أكثر حدة، يقوم على فكرة أن المجتمعات التي لا تطبق الشريعة وفق التصور الذي يتبناه، هي مجتمعات “جاهلية” وإن أعلنت الإسلام وأقامت شعائره.
توظيف متعمد:
تتجلى خطورة هذا الطرح في العبارة الشهيرة التي كتبها سيد قطب في “معالم في الطريق”: “إن المجتمعات الإسلامية اليوم ليست إسلامية، وأن الإسلام لم يعد له وجود في أي بقعة من الأرض منذ زمان بعيد”، فلم تكن هذه العبارة مجرد رأي فكري عابر، بل أصبحت الأساس النظري الذي بُنيت عليه عشرات التنظيمات المتطرفة لاحقاً. ومن خلالها انتقل التكفير من دائرة الحاكم أو النظام السياسي إلى دائرة المجتمع بأسره، وهو ما مهد لظهور مفاهيم مثل “المفاصلة الشعورية”، و”العزلة عن المجتمع”، و”الطليعة المؤمنة”، ثم لاحقاً شرعنة العنف المسلح باعتباره وسيلة لتغيير الجاهلية.
ومن هنا يمكن فهم كيف تشكل البناء الفكري للتنظيمات المتطرفة، فحين يُوصَف المجتمع بأنه “جاهلي”، يصبح – وفق منطق هذه الجماعات – مجتمعاً فاقداً للشرعية الدينية، وبالتالي لا يستحق الولاء الكامل، ثم تظهر فكرة “الطليعة المؤمنة” التي تحتكر فهم الدين وتعتبر نفسها الفرقة الناجية الوحيدة، قبل أن تنتقل إلى المرحلة الأخطر باعتبار التغيير بالقوة واجباً شرعياً. وهذا التسلسل الفكري هو ذاته الذي نجده حاضراً في أدبيات جماعات مثل تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وصولاً إلى شخصيات مثل “أبو مصعب الزرقاوي” و”أبي بكر البغدادي”، الذين لم ينشؤوا فكرياً من فراغ، بل اعتمدوا على تراكمات تنظيرية سبقتهم بسنوات طويلة.
غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في أن هذا التوظيف لمصطلح “الجاهلية” يصطدم مباشرة بالدلالة القرآنية الأصلية للمفهوم، فالقرآن الكريم لم يستخدم لفظ “الجاهلية” كوصف دائم لمجتمع أو أمة، بل ورد المصطلح في أربع آيات فقط، وجميعها جاءت في سياقات محددة ومقيدة، لا تسمح بالتعميم الذي ذهبت إليه الحركات المتطرفة.
ففي سورة آل عمران جاء قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وهو وصف لحالة نفسية عارضة مرتبطة بلحظة الهزيمة في غزوة أحد، وفي سورة المائدة ورد قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ في سياق الحديث عن أهل الكتاب الذين أعرضوا عن حكم الله، أما في سورة الأحزاب فقد جاء التعبير في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾، وهو خطاب خاص بأمهات المؤمنين في مسألة سلوكية محددة، وفي سورة الفتح قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، في وصف موقف مشركي قريش أثناء صلح الحديبية.
ومن خلال هذه المواضع يتضح أن القرآن الكريم استخدم “الجاهلية” لوصف سلوك أو حالة أو موقف محدد، لا كوصف أبدي لمجتمعات كاملة تنتسب إلى الإسلام وتمارس شعائره. ولذلك فإن تعميم المصطلح على المجتمعات الإسلامية المعاصرة يُعد تجاوزاً واضحاً للدلالة القرآنية الأصلية، وتحريفاً للمفهوم عن سياقه الشرعي.
أخطاء عميقة:
عند النظر في هذا الطرح من زاوية علمية شرعية، تظهر مجموعة من الأخطاء المنهجية العميقة التي وقع فيها خطاب “الجاهلية الحديثة”، وأول هذه الأخطاء هو قياس واقع المسلمين اليوم على واقع العرب قبل الإسلام، رغم الاختلاف الجذري بين الحالتين؛ فجاهلية العرب الأولى كانت في غياب الوحي والرسالة، بينما تعيش الأمة الإسلامية اليوم في ظل قرآن محفوظ وسنة مدونة وتراث فقهي متراكم عبر قرون. وبالتالي فإن المساواة بين الحالتين قياس مع الفارق، لا يصح شرعاً ولا عقلاً.
أما الخطأ الثاني فيتمثل في تحميل المجتمعات تبعات سياسية، وكأن ملايين المسلمين الذين يصلون ويصومون ويحجون ويتعبدون مسؤولون عن كل سياسات الدول وقراراتها. وهذا النوع من التكفير الجماعي لا سند له في الفقه الإسلامي المعتبر، الذي فرق دائماً بين الخطأ والمعصية والكفر، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الفعل والحكم على الأشخاص.
ويبرز الخطأ الثالث في تجاهل واقع المجتمع النبوي نفسه؛ إذ عاش في عهد النبي صلى الله عليه وسلم منافقون ومرتكبو كبائر ومقصرون في الطاعة، ومع ذلك لم يُحكم على المجتمع كله بالكفر أو الجاهلية، ولم يُؤمر الصحابة باعتزال الناس أو قتالهم. بل إن الأصل الذي قام عليه المجتمع الإسلامي كان الاحتواء والدعوة والإصلاح، لا التكفير والإقصاء.
أما الخطأ الرابع فهو إهدار الضوابط الدقيقة التي وضعها علماء الأمة في باب التكفير، وعلى رأسها قاعدة “درء الشبهة”، إذ أجمع جمهور العلماء على أن الخطأ والتأويل والجهل والإكراه كلها موانع تمنع إطلاق الحكم بالكفر على المسلم. ولذلك فإن التوسع في التكفير بهذه الصورة يمثل انقلاباً على المنهج الفقهي الإسلامي الذي اتسم تاريخياً بالحذر الشديد في هذا الباب.
ولم يكن رفض هذا المنطق جديداً في التاريخ الإسلامي؛ فقد واجه الصحابة رضي الله عنهم من قبل ظاهرة الخوارج، الذين كفروا المسلمين واستحلوا دماءهم بناءً على فهم متشدد للنصوص، وحين ذهب “عبد الله بن عباس” رضي الله عنهما لمناظرتهم قال لهم: “أتيتكم من عند أصحاب النبي المهاجرين والأنصار، ولم يأتِ من قِبَلكم منهم أحد، نزل فيهم القرآن وهم أعلم بتأويله منكم”.
كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسار المنحرف بقوله: “يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان”، وهي صورة تتكرر بوضوح في سلوك التنظيمات المتطرفة المعاصرة التي استهدفت المسلمين في المساجد والأسواق والطرقات أكثر مما استهدفت أعداء الأمة الحقيقيين.
إن الجاهلية الحقيقية ليست في وجود مجتمع مسلم يعتريه التقصير أو الخلل السياسي، بل في الجهل بمقاصد الشريعة وروح الإسلام، فالذي يقتل الأبرياء باسم الدين، ويستحل الدماء باسم إقامة الشريعة، ويحول النصوص إلى أدوات للعنف والكراهية هو الأقرب إلى الجاهلية بمعناها الحقيقي، لأنه جهل جوهر الدين الذي جاء لحفظ النفس والعقل والدين والمال والنسل.
وفي النهاية، تبقى المعركة الأخطر مع التنظيمات المتطرفة معركة مفاهيم ومصطلحات قبل أن تكون معركة أمنية أو عسكرية. فحين تُترك مصطلحات مثل “الجاهلية” و”الحاكمية” في أيدي المتشددين دون تفكيك علمي ونقدي، يصبح من السهل عليهم إعادة تشكيل وعي الشباب وفق تصوراتهم الخاصة. ومن هنا تأتي أهمية استعادة هذه المفاهيم إلى معناها الصحيح، وبيان أن الإسلام لم يأتي لإعلان الحرب على المجتمعات، بل جاء لهدايتها وإصلاحها وبناء الإنسان فيها.
فالجاهلية التي حذر منها القرآن ليست وصفاً لمجتمع بأكمله، بل هي كل فكر يبتعد عن العدل والرحمة ومقاصد الشريعة، وكل خطاب يحول الدين من رسالة هداية إلى مشروع صدام دموي مع الناس. ولذلك فإن تحصين العقول من هذا الانحراف يبدأ بالفهم الصحيح للمصطلحات، لأن المعركة – في جوهرها – تبدأ دائماً بمن يملك تعريف الكلمات.










