واصل الجامع الأزهر، فعاليات ملتقى «السيرة النبوية» التاسع والخمسين، لمناقشة موضوع: «بقية المبشرين بالجنة من الصحابة الأجلاء.. الرميصاء بنت ملحان (أم سليم) نموذجاً»، وذلك بمشاركة فضيلة الأستاذ الدكتور السيد بلاط، أستاذ ورئيس قسم التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية اللغة العربية بالقاهرة جامعة الأزهر، و الدكتور نادي عبد الله، أستاذ الحديث وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة، فيما أدار اللقاء الإذاعي سعد المطعني، المذيع بإذاعة القرآن الكريم، وذلك تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.
قال فضيلة الأستاذ الدكتور السيد بلاط إن أم سليم اسمها سهلة وهو المشهور في كتب التراجم، وقيل رميلة وقيل غير ذلك، لكنها اشتهرت بأم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد وينتهي نسبها إلى بني النجار، مشيرًا فضيلته إلى أنها شرفت بأنها كانت بمثابة الخالة لرسول الله ﷺ وفي هذا كلام كثير في كتب الأنساب سواء من ناحية الرضاعة أو النسب ولكنها عرفت بأنها خالة للرسول ﷺ وهذا تشريف لها، لافتًا إلى أنها خزرجية من الخزرج القبيلة الكبيرة مع الأوس وكانت تسكن المدينة قبل هجرة الرسول ﷺ فهي أنصارية ولقبت بالرميصاء أو الغميصاء وهو ما يكون في جدار العين من ماء أو متجمد.
وأضاف فضيلته أنها أسلمت رضي الله عنها في السنة الثانية عشرة من البعثة بعد بيعة العقبة الأولى، حين أرسل الرسول ﷺ سيدنا مصعب بن عمير ليدعو إلى الإسلام في المدينة فاجتهد اجتهادًا كبيرًا حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها مسلم أو ذكر للإسلام، مبيناً أنه دار بينها وبين زوجها مالك بن النضر حوار كبير حيث شرح الله صدرها للإسلام وترغب في التحول من الوثنية بينما يصر زوجها على البقاء على الوثنية ولم يصل الحوار إلى نتيجة لثباتها على رأيها.
وأوضح الدكتور السيد بلاط أن من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فلا يمكن لأي عوائق أن تعطل إسلامه، حيث خرج زوجها مغاضبًا إلى بلاد الشام فقيل إنه قُتل وقيل إنه توفي، لافتًا إلى أنها كانت قد أنجبت سيدنا أنس بن مالك، فعملت في وقت ليس بالطويل على تعليم ابنها الإسلام فشرح الله صدره للإسلام أيضًا، ولما هاجر الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة ذهبت إليه وبايعته وقدمت إليه سيدنا أنس ليقوم بخدمة الرسول ﷺ.
من جانبه، أوضح الدكتور نادي عبد الله أننا ما أحوجنا كأمة أن نقرأ ونعيد إلى حياتنا وتعليمنا ومناهجنا التربوية سيرة هؤلاء الأعلام من صحابة وصحابيات رسول الله ﷺ، مشيرًا فضيلته إلى أنهم الذين تلقوا الوحي وعايشوه وذقوه وأحبوه ونالوا بركة الجلوس بين يدي النبي ﷺ والتلقي منه فسرت كلماته إلى عقولهم ووجدانهم وكيانهم، فكان حب الدين وحب الله ورسوله هو الغاية والهدف الذي يتحرك فيه المسلم في حياته.
ولفت فضيلته إلى أننا نستطيع أن نستلهم من قصة هذه الصحابية الجليلة أم سليم دروسًا للمرأة والأبناء والأزواج يتعلمون منها كيف أن الإسلام إذا باشر القلب ودخل فيه وذاقه يكون الإنسان ثابتًا في دنياه، مستشهدًا بقصة هرقل المشهورة وسؤاله لأبي سفيان عن أتباع النبي ﷺ وهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه فقال لا، فقال هرقل: «كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب».
وأكد الدكتور نادي عبد الله أن الإيمان حين يدخل القلوب يصنع الأعاجيب، وهو ما جعل أم سليم لا ترى كل تلك الفتن فتنًا هينة ولم تدر حيث دار زوجها بل وزنته بميزان الشرع والقرآن والسنة، مشيرًا إلى أن زوجها مالك بن النضر لما رآها قد آمنت قال لها: «أصبوتِ؟» أي كفرتِ، فلم تعجبها الكلمة لأن الأغلب فيها هو إيمانها فقالت له: «لا، بل آمنتُ»، مؤكداً أنها حرصت على غرس الإيمان فجعلت ابنها أنسًا وهو طفل رضيع بين يديها تلقنه وتقول له: «قل أشهد أن لا إله إلا الله، قل أشهد أن محمدًا رسول الله» حتى نطق الطفل الصغير.
وفي ختام اللقاء، أكد الإذاعي سعد المطعني، المذيع بإذاعة القرآن الكريم، أن بث سيرة الصحابية الجليلة أم سليم يفتح نافذة مضيئة للأجيال الحالية للاقتداء بجيل الرعيل الأول، مشيرًا إلى أن بشارة النبي ﷺ لأصحابه بالجنة تعد من أعلى مراتب التكريم التي نالها جيل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، لافتًا إلى أن الجامع الأزهر الشريف يحرص من خلال هذه الملتقيات الأسبوعية على تعميق الفهم بصحيح الدين، وتعزيز الوعي العام بسيرة النبي ﷺ وصحابته الكرام بما يسهم في بناء مجتمع واعٍ ومستمسك بقيم دينه وحضارته.










