قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزق الخلق، ومن الرزق ما هو حلال، ومنه ما هو حرام.
التماس الحلال واجتناب الحرام
واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتماس الحلال في المكاسب، واجتناب الحرام فيها.
والحلال والحرام كلاهما بتقدير الله سبحانه وتعالى؛ ففي الحلال نعمة الابتغاء والطلب والسعي من أجل تحصيله، وفي الحرام نعمة الاجتناب والترك من أجل الله سبحانه وتعالى.
فقد خلق الله الحلال والحرام، وبيَّن للناس طريق كلٍّ منهما؛ حتى يقوم المؤمن بوظيفته التي أمره الله بها، وينتهي عما نهاه عنه. فينال الثواب الجزيل إذا طلب الحلال، وينال الثواب كذلك إذا ابتعد عن الحرام.
ومن أجل ذلك كان بيان الحلال والحرام نعمةً من عند الله؛ لأن المؤمن يُثاب في كلا الأمرين: يُثاب على ابتغاء الحلال وتحصيله، ويُثاب على اجتناب الحرام والابتعاد عنه.
يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فيخاطب المؤمن والكافر، ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾.
وما في الأرض قد أتاحه الله لنا، وجعله في متناول أيدينا، ولكننا قد نجعله رزقًا طيبًا حلالًا حسنًا إذا حصَّلناه من وجهه، وعلى مراد ربنا وأوامره، وقد نجعله رزقًا خبيثًا حرامًا يغضب الله ورسوله إذا حصَّلناه من غير طريقه.
وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى معالم الحلال والحرام في قرآنه، وفي سنة نبيه ﷺ، وفي دينه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 168-169].
فلا بد لك، أيها المؤمن، أن تفهم معالم الحلال والحرام في المكاسب.
ومن الناس الآن مَن يتبع خطوات الشيطان، فإذا حصَّل شيئًا من الحرام أراد أن «يغسله»، كأن هذا الغسيل يحوِّله إلى حلال!
ولكن الله يرفض طريق الشيطان وخطواته، وينهانا سبحانه وتعالى عن التحايل والخداع، ويبيِّن لنا أن المجتمعات إذا وقعت في هذا الظلم المبين هلكت.
ومن صور هذا الهلاك: أن نُعطِّل أبواب الحلال والإنتاج، وأن ننغمس في الترف.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45].
انظر كيف كان سبب الهلاك هو الظلم؛ خرَّت القرية، وانهار المجتمع، وبقيت بئرٌ معطَّلة، وقصرٌ مشيد.
البئر فيها الماء، وهو أساس حياة الإنسان والحيوان والنبات، ومع ذلك كانت معطَّلة عند أولئك الظلمة.
وفي المقابل، شُيِّد القصر وزُيِّن وجُصِّص، وبُذل في إحكام بنيانه وتزيينه كل الجهد، حتى جاء الهلاك فأبقاه قائمًا؛ ليكون تذكرةً لمن جاء بعدهم.
فالقصر لم يتأثر، لأنه قصر ثابت بُذل فيه كل الجهد، ولكن البئر ـ مع ما فيها من نفع عام ـ كانت معطَّلة!
وهذا مظهر من مظاهر الظلم: أن نجد قريةً من قرى الله سبحانه وتعالى قد عُطِّلت فيها أدوات الإنتاج، وعُطِّل فيها ما ينفع الناس ويعم خيره، بينما شُيِّدت فيها قاعات الأفراح والقصور والاستراحات وغيرها من مظاهر الترف.
وهذا الظلم سيترتب عليه الجوع والخوف؛ لأننا لا نسير وراء سنة نبينا ﷺ، ولا نلتزم أوامر ربنا سبحانه وتعالى.










