لقد كان الاعتقاد السائد في أسواق الطاقة قبل عقدين من الزمن أن سعر النفط يتحدد وفق معادلة العرض والطلب، او زيادة الإنتاج و انخفاضه حيث احدهما العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الأسعار. إلا أن التطورات الاخيرة الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط، وخاصة التوترات المتكررة في مضيقي باب المندب وهرمز، أثبت أن تعبير الجغرافيا السياسية لكلي المضيقين أصبح شريكًا رئيسيًا في تسعير برميل النفط. ، فهذه المضايق البحرية لم تعد مجرد ممرات لعبور السفن، بل تحولت إلى شرايين حيوية تتحكم في مرونه انسياب الطاقة العالمية، وأصبح أي تهديد لهمً ينعكس فورًا على أسواق النفط والغاز والنقل البحري وحركة التجارة العالمية وتأثير اقتصادي مباشر .
ويُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، بينما يمثل مضيق هرمز المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الخليجية مشتقاتها من البتروكيماويات والأسمدة والغازات النادرة إلى الأسواق العالمية. ويعبر عبر هذين المضيقين جزء كبير من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال والمنتجات البترولية، وهو ما يجعل أي اضطراب أمني فيهما يفرض ما يعرف في أسواق الطاقة بـ”تسعيرة المخاطر الجيوسياسية”، التي تُضاف إلى سعر البرميل حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات.
ان تاثير الحرب الأمريكية علي ايران ومن توابعها علي مضيق هرمز وكذلك التداخلات الأخيرة الحوثيين علي مضيق باب المندب لا يمثل مجرد أزمة عابرة، بل يعكس تحولًا في طريقة إدارة تجارة الطاقة العالمية. فشركات النفط والنقل البحري لم تعد تعتمد على مسار واحد، وإنما أصبحت تضع خططًا بديلة بصورة دائمة، تحسبًا لأي تصعيد مفاجئ. وهذا يعني أن تكلفة التجارة العالمية ستظل أعلى مما كانت عليه قبل اندلاع التوترات، حتى إذا تراجعت العمليات العسكرية أو انخفضت حدة المخاطر الأمنية.
وتكمن الخطورة الحقيقية عند اضطراب الملاحة في باب المندب في أن المشكلة لا تقتصر على زيادة تكلفة التأمين أو أجور الشحن، وإنما تمتد إلى إطالة زمن الرحلات البحرية. فعندما تضطر الناقلة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من عبور البحر الأحمر وقناة السويس، فإن زمن الرحلة قد يزيد عدة أسابيع، وهو ما يؤدي إلى انخفاض عدد الرحلات السنوية لكل ناقلة، وبالتالي انخفاض الطاقة الاستيعابية لأسطول النقل العالمي، وكأن عدد الناقلات المتاحة قد انخفض فعليًا دون أن تغرق سفينة واحدة.
هذه الزيادة في زمن الرحلات تفرض على المصافي (معامل التكرير ) الاحتفاظ بمخزونات أكبر من النفط الخام، كما تؤخر وصول الشحنات، وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى خفض معدلات التشغيل انتظارًا لوصول الإمدادات. ولذلك فإن التأخير الزمني يعد أخطر بكثير من مجرد ارتفاع تكلفة التأمين، لأن الأول يهدد استمرارية الإمدادات، بينما الثاني يمثل تكلفة مالية يمكن إضافتها إلى السعر النهائي.
ومن الطبيعي أن تنتقل هذه الاضطرابات بسرعة إلى أسواق النفط العالمية. فالمتعاملون في البورصات لا ينتظرون وقوع النقص الفعلي، بل يستحيون ذلك ويسعرون احتمالاته مسبقًا، فتظهر الزيادات في أسعار العقود الآجلة، ثم تنتقل تدريجيًا إلى أسعار الشحنات الفورية، ثم إلى المنتجات البترولية كالديزل والبنزين ووقود الطائرات. ومع ارتفاع تكلفة النقل والتأمين، ترتفع تكلفة البرميل حتى وإن ظل الإنتاج العالمي عند مستوياته الطبيعية.
ورغم ذلك، فإن أسعار النفط لا تتحرك وفق العامل الجيوسياسي وحده، بل تتأثر أيضًا بحجم الطلب العالمي، ومستويات المخزون التجاري والاستراتيجي، وإنتاج الولايات المتحدة والدول غير الأعضاء في “أوبك+”، إضافة إلى قدرة المنتجين على تعويض أي نقص في الإمدادات. ولهذا السبب قد لا تعكس الأسعار الحالية الحجم الكامل للمخاطر، خاصة إذا ظل الطلب العالمي ضعيفًا أو استمرت الأسواق في الاعتماد على مخزوناتها الاستراتيجية.
وفي مواجهة هذه التحديات، اتجهت شركات النفط إلى حلول بديلة، مثل الالتفاف حول أفريقيا أو تغيير مصادر الخام. إلا أن هذه البدائل تحمل ما يمكن وصفه بـ”التكلفة الخفية”. فالمصافي مصممة لمعالجة أنواع محددة من النفط الخام، وعندما تضطر إلى استقبال خام مختلف في خصائصه، فإنها قد تحتاج إلى تعديل ظروف التشغيل، أو استهلاك كميات أكبر من الهيدروجين، أو خلط عدة أنواع من الخام للحصول على نفس جودة المنتجات، وهو ما يرفع تكاليف التشغيل ويقلل من هوامش الربحية.
كما تضطر الشركات إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر أثناء فترات النقل الطويلة، وهو ما يعني تجميد رؤوس أموال ضخمة، وارتفاع تكاليف التمويل والتخزين، إضافة إلى احتمالات تكدس الشحنات في الموانئ أو حدوث فجوات زمنية بين وصول ناقلة وأخرى، الأمر الذي قد ينعكس في النهاية على أسعار الوقود للمستهلكين والصناعات.
وتبرز هنا أهمية دول العبور وفي مقدمتها مصر، التي تمتلك قناة السويس وخط أنابيب سوميد، إلى جانب معامل التكرير وموانئ البحرين الأحمر والمتوسط. فكلما ارتفعت المخاطر في الممرات البحرية، ازدادت القيمة الاستراتيجية لهذه البنية التحتية، وأصبحت مصر قادرة على لعب دور أكبر كمركز إقليمي لتداول الطاقة وتخزينها وإعادة تصديرها، بما يخفف من آثار اضطرابات الملاحة العالمية في المنطقة.
ومن ثم يمكن القول إن أسواق النفط لم تعد تتأثر فقط بحجم الإنتاج أو قرارات “أوبك+”، وإنما أصبحت رهينة استقرار الممرات البحرية في الشرق الأوسط. فكلما ارتفعت المخاطر في باب المندب أو هرمز، ارتفعت تكلفة نقل الطاقة حتى وإن لم يتوقف الإنتاج. ومن ثم فإن مضايق الشرق الأوسط أصبحت اليوم أحد أهم المؤشرات التي تحدد اتجاه أسعار النفط العالمية، ليس لأنها تنتج النفط، بل لأنها تتحكم في وصوله إلى المستهلك النهائي…..
وإلى تكمله قادمة









