بمناسبة اليوم العالمي لـ سرطان الرئة، يسلط الخبراء الضوء على اكتشاف جديد قد يفسر سبب تفاوت مخاطر الإصابة بسرطان الرئة بشكل كبير بين شخصين تعرضا للمستوى نفسه من تلوث الهواء. وفي حين يظل الهواء الملوث أحد الأسباب البيئية الرئيسية لسرطان الرئة، تشير أبحاث جديدة إلى أن حالة دموية مرتبطة بالتقدم في العمر – تُعرف باسم “تكون الدم النسيلي” (clonal hematopoiesis) – قد تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للإصابة بالمرض مقارنة بغيرهم.
وقد حللت دراسة نُشرت عام 2026 في “مجلة المعهد الوطني للسرطان” بيانات أكثر من 650 ألف مشارك، وحددت “تكون الدم النسيلي” كعامل بيولوجي محتمل يزيد من القابلية للإصابة بسرطان الرئة المرتبط بالتلوث. وتشير هذه النتائج إلى مستقبل قد تصبح فيه الوقاية من السرطان مخصصة بشكل متزايد لتناسب كل فرد، بدلاً من أن تستند فقط إلى عوامل التعرض البيئي.
ما هي عملية تكوّن الدم النسيلي (Clonal Hematopoiesis)؟
وفقاً للدكتور أرافيند باديجر، المدير الفني لشركة “بي دي آر” للأدوية الدولية (BDR Pharmaceuticals International Pvt. Ltd.)، فإن تكوّن الدم النسيلي ليس مرضاً، بل هو عملية طبيعية مرتبطة بالتقدم في العمر، حيث تتطور طفرات جينية تدريجياً في الخلايا الجذعية المكوّنة للدم. ويقول الدكتور باديجر: “تتيح هذه الطفرات لخلايا دم معينة أن تتكاثر وتنمو دون أن تسبب أي أعراض لدى الأفراد. وقد أظهرت الأبحاث خلال العقد الماضي وجود روابط بين تكوّن الدم النسيلي وخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والالتهابات المزمنة”.
تشير أحدث الأبحاث إلى أن هذه الخلايا المناعية المُعدَّلة قد تغير أيضاً طريقة استجابة الرئتين لتلوث الهواء؛ فبدلاً من إصلاح الأضرار الناجمة عن الملوثات الضارة، قد يُحفِّز الجهاز المناعي استجابةً التهابية مفرطة، مما يخلق بيئة تزيد من احتمالية نشوء السرطان.
لماذا لا يؤثر تلوث الهواء على الجميع بالطريقة نفسها؟
يُلحق تلوث الهواء الضرر بالرئتين من خلال التسبب في الإجهاد التأكسدي والالتهاب وتلف الحمض النووي. ومع ذلك، لا تستجيب أجسام جميع الأشخاص لهذه الآثار الضارة بالطريقة ذاتها. ويوضح الدكتور “باديجر” أن خطر إصابة الفرد بسرطان الرئة يعتمد على مزيج من العوامل البيئية والبيولوجية، بما في ذلك:
الشيخوخة البيولوجية: تزداد احتمالية حدوث “تكون الدم النسيلي” (clonal hematopoiesis) مع التقدم في العمر، مما يقلل من كفاءة الاستجابات الالتهابية.
الاستعداد الوراثي: تؤثر الاختلافات الجينية الموروثة على كفاءة إصلاح الحمض النووي المتضرر.
الصحة العامة: يمكن لأمراض الجهاز التنفسي القائمة، أو أمراض القلب والأوعية الدموية، أو ضعف المناعة أن تزيد من تفاقم الأضرار المرتبطة بالتلوث.
خيارات نمط الحياة: يؤدي التدخين، والتعرض المهني للمواد الكيميائية الضارة، وسوء التغذية، ونقص النشاط البدني إلى زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة.
وأضاف قائلاً: “يفسر هذا التفاعل المعقد سبب تباين النتائج الصحية بشكل كبير بين شخصين يعيشان في المدينة نفسها ويتنفسان الهواء ذاته؛ إذ تلحق الملوثات البيئية الضرر بالرئتين من خلال التسبب في الإجهاد التأكسدي والالتهاب وتلف الحمض النووي، ومع ذلك، فإن القدرة على إصلاح هذا الضرر تختلف اختلافاً كبيراً من شخص لآخر”.
حقبة جديدة للوقاية الشخصية من السرطان
تؤكد النتائج أن الحد من التعرض لتلوث الهواء يظل أمراً جوهرياً، إلا أنه قد لا يكون الاستراتيجية الوحيدة اللازمة للوقاية من سرطان الرئة. ويرى الباحثون أن تقييمات المخاطر المستقبلية قد تجمع بين بيانات التعرض للتلوث والمؤشرات البيولوجية – مثل “تكون الدم النسيلي” (clonal hematopoiesis) – لتحديد الأشخاص الذين قد يستفيدون من الفحص المبكر والمتابعة الطبية الدقيقة.
ورغم أن الفحص الروتيني للكشف عن “تكون الدم النسيلي” لا يُوصى به حالياً، إلا أن الأبحاث الجارية قد تساعد الأطباء في تحديد الأفراد الأكثر عرضة للخطر قبل تطور السرطان. وفي هذا الصدد، قال الدكتور باديجر: “يتماشى هذا النهج مع مجال الطب الدقيق المتنامي، حيث يتم تصميم تدابير الوقاية والعلاج بما يتناسب مع الخصائص البيولوجية الفريدة لكل فرد”.
الحفاظ على صحة رئتيك
بينما يواصل العلماء دراسة عوامل الخطر البيولوجية هذه، يوصي الخبراء باتخاذ خطوات عملية لتقليل خطر الإصابة بسرطان الرئة:
الحد من التعرض للهواء الملوث عن طريق فحص مستويات جودة الهواء واتخاذ تدابير وقائية خلال أيام التلوث الشديد.
تجنب تدخين السجائر والتعرض للتدخين السلبي.
الحفاظ على تهوية جيدة داخل المنزل للحد من الملوثات الضارة.
طلب تقييم طبي في حالة السعال المستمر، أو ضيق التنفس، أو غيرها من أعراض الجهاز التنفسي طويلة الأمد.
تبني عادات نمط حياة صحية، بما في ذلك ممارسة الرياضة بانتظام واتباع نظام غذائي متوازن يساعد على تقليل الالتهاب المزمن.
حضور الفحوصات الطبية الدورية الموصى بها وفحص سرطان الرئة إذا كنت معرضًا لخطر كبير.
مع كشف العلم عن العوامل البيولوجية الخفية وراء سرطان الرئة، يقول الخبراء إن مستقبل الوقاية سيجمع على الأرجح بين بيئات أنظف وتقييم شخصي للمخاطر، مما يساعد على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة قبل وقت طويل من تطور المرض.










