يُعدّ التدخين السبب الرئيسي – الذي يُمكن الوقاية منه – لـ سرطان الرئة في جميع أنحاء العالم، ومع ذلك، لا يُصاب جميع المدخنين بهذا المرض. إذا كان دخان السجائر يحتوي على مواد كيميائية مُسرطنة تُتلف الحمض النووي، فلماذا يُصاب بعض المدخنين بسرطان الرئة بينما لا يُصاب به آخرون؟ تُقدّم دراسة جديدة من جامعة كامبريدج، نُشرت في مجلة Nature ، رؤى جديدة حول هذا اللغز الذي طال أمده.
تشير الأبحاث إلى أن تركيبنا الجيني الموروث قد يؤثر على كيفية استجابة خلايانا لتلف الحمض النووي الناتج عن دخان السجائر وغيره من العوامل البيئية. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه النتائج لا تعني أن بإمكان أي شخص التدخين بأمان.
كيف يؤدي التدخين إلى الإصابة بالسرطان؟
يحتوي دخان السجائر على أكثر من 70 مادة مسرطنة معروفة – وهي مواد كيميائية قادرة على إتلاف الحمض النووي. ومع مرور الوقت، يؤدي التعرض المتكرر إلى حدوث طفرات جينية تسمح للخلايا بالنمو بشكل غير منضبط، مما يؤدي في النهاية إلى الإصابة بالسرطان.
لكن السرطان لا يتطور بين عشية وضحاها. بل يحدث بعد سنوات من تراكم تلف الحمض النووي، وتلعب أنظمة الإصلاح الطبيعية في الجسم دورًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت الخلايا التالفة ستُصلح بنجاح أم ستستمر في التكاثر.
ماذا كشفت دراسة كامبريدج؟
قام الباحثون بتحليل ما يقرب من 600 ورم في فئران ذات خلفيات وراثية مختلفة. وعلى الرغم من أن العديد من الأورام اتبعت مسارات بيولوجية متشابهة أثناء تطورها، إلا أن الطفرات المحددة اختلفت تبعًا للتركيب الجيني للحيوانات.
تشير النتائج إلى أن الخلفية الجينية تؤثر على كيفية تطور تلف الحمض النووي إلى سرطان، مما يساعد في تفسير سبب اختلاف النتائج التي قد يتعرض لها شخصان تعرضا لمواد متشابهة مسببة للسرطان. ووفقًا للباحثين، فإن السرطان ليس مسألة صدفة بحتة. فبينما تصل الأورام غالبًا إلى نفس النتيجة النهائية، فإن المسار الذي تسلكه قد يعتمد جزئيًا على الجينات الموروثة للفرد.
هل يمكن أن تحمي الجينات بعض المدخنين؟
يقول الأطباء إن التدخين ليس سوى جزء واحد من صورة أكبر بكثير. يحدث سرطان الرئة بعد تراكم العديد من التغيرات داخل الخلايا، وتختلف سرعة حدوث ذلك من شخص لآخر.
هذا يعني أن بعض الأشخاص قد يُصلحون تلف الحمض النووي بشكل طبيعي أكثر فعالية من غيرهم، بينما قد يكون البعض الآخر أكثر عرضة وراثيًا للطفرات المسببة للسرطان. ومع ذلك، يؤكد العلماء أنه لا أحد بمنأى عن الآثار الضارة لدخان التبغ.
هل هذا يعني أن بعض الأشخاص يمكنهم التدخين دون أي مخاطر؟
بالتأكيد لا. يحذر الأطباء من أن هذه الدراسة لا ينبغي تفسيرها على أنها دليل على أن بعض المدخنين “محصنون” من السرطان. لا يوجد حاليًا أي فحص طبي يمكنه تحديد الشخص الذي يمكنه التدخين بأمان دون الإصابة بأمراض مرتبطة بالتبغ.
كل سيجارة تُعرّض الرئتين لمواد مسرطنة، مما يزيد من احتمالية حدوث طفرات ضارة في الحمض النووي مع مرور الوقت. وكلما طالت مدة التدخين وزادت كميته، ازداد الخطر الإجمالي. حتى لو لم يُصب الشخص بسرطان الرئة، فإن التدخين يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض الأخرى، بما في ذلك:
مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)
مرض قلبي
سكتة دماغية
سرطانات الفم والحلق
المثانةسرطان
كليةسرطان
سرطان البنكرياس
هل يمكن أن تُحسّن الوراثة من رعاية مرضى السرطان في المستقبل؟
يعتقد الباحثون أن هذه النتائج قد تُسهم في نهاية المطاف في تخصيص برامج الكشف عن السرطان وعلاجه. فمن خلال فهم أسباب إصابة بعض الأشخاص بطفرات جينية مُسببة للسرطان، قد يتمكن الأطباء يوماً ما من تحديد الأفراد الأكثر عرضة للخطر وتصميم برامج الكشف وفقاً لذلك.
تُثير الدراسة أيضًا احتمال أن تؤثر العوامل الوراثية على كيفية استجابة الأورام للعلاج الكيميائي أو غيره من علاجات السرطان التي تُلحق الضرر بالحمض النووي. مع ذلك، تستند هذه النتائج حاليًا إلى دراسات على الحيوانات، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث قبل تطبيقها على الرعاية الصحية البشرية.









