تصلني يوميا رسائل من قراء يسألونني عن رأيي في الانتخابات الأمريكية، وفي أسعار النفط، وفي حظوظ مانشستر سيتي بالفوز بالدوري. وهي أسئلة مشروعة، ولها مكانها. لكن أحداً، في ثلاثين عاماً وأكثر، لم يسألني لماذا تقف مكتباتنا العربية حائرة بين تصنيف ديوي العشري وتصنيف مكتبة الكونجرس، كأن ليس في تراثنا ما يكفي لتصنيف معارفنا؟
سؤال كهذا قد يبدو للوهلة الأولى سؤالاً علمياً مملاً، يخص العاملين في حقل المكتبات والمعلومات. لكنه في حقيقته سؤال مهم يتعلق بكيفية تفكيرنا، وبمن يملك السلطة على تصنيف العالم وتنظيم المعرفة فيه.
لنتأمل قليلاً في حكاية ملفيل ديوي، ذلك الباحث الذي اخترع نظام التصنيف العشري الذي تهيمن نسخه المعدلة على معظم مكتباتنا العربية. ديوي، كما تقول المصادر، كان رجلاً بعقليات القرن التاسع عشر الاستعمارية. كان معجباً بالكفاءة إلى حد الهوس، وكان يرى العالم كله من خلال عدسة رجل أبيض أنجلوسكسوني بروتستانتي. اخترع نظاماً للتصنيف قسم فيه المعرفة البشرية إلى عشر فئات رئيسية، منح الديانة المسيحية فيه نصيب الأسد، بينما حشر ديانات وعقائد مليارات البشر في ركن ضيق برقم واحد.
ليس هذا فحسب، بل إن سيرته الشخصية تحمل ما هو أسوأ. لقد كان معروفاً بمعاداته للسامية وتحرشه الجنسي بالنساء، لدرجة أن جمعية المكتبات الأمريكية نفسها اضطرت عام 2019 لسحب اسمها من الجائزة التي كانت تمنحها باسمه، وأصدرت بياناً تبرأت فيه من إرثه الشخصي. لكن، وهنا المفارقة، لم تتخل الجمعية ولا المكتبات الأمريكية عن نظامه في التصنيف. لقد فرقوا بين الرجل ومنجزه، وهو تمييز قد يكون له ما يبرره في سياقهم، لكنه يفتح الباب أمام سؤال أعمق هل يمكن حقاً فصل نظام تصنيف المعرفة عن العقلية التي أنتجته؟
النظام العشري لديوي ليس مجرد أداة محايدة لترتيب الكتب على الرفوف. إنه يعكس رؤية للعالم. عندما تتصفح جداول التصنيف، تجد الأدب الأميركي في مكانة بارزة، بينما تقبع آداب شعوب بأكملها في أقسام هامشية. تجد التاريخ الأوروبي مفصلاً تفصيلاً دقيقاً، بينما يختزل تاريخ الصين أو الهند أو العالم العربي في أرقام قليلة. إنه نظام يقول لك، بكل بساطة هذه هي المعرفة المهمة، وتلك هي المعرفة الأقل أهمية.
والسؤال الذي لا نسأله لماذا قبلنا نحن العرب بهذا الوضع طواعية؟ لماذا ننظر إلى معايير الغير وكأنها قوانين طبيعية لا تقبل النقاش؟ نحن نتحدث عن المعايير العالمية وكأن المعيار الذي يوضع في لندن أو واشنطن ينزل من السماء، بينما هو في حقيقته معيار محلي، أنتجه سياق ثقافي وتاريخي محدد، ثم تم تعميمه بفعل الهيمنة لا بفعل العالمية.
الأمر نفسه ينطبق على ما نسميه اليوم الذكاء الاصطناعي وما يحمله من وعود بالمعرفة الشاملة. عندما تبحث في محركات البحث العملاقة، أو تسأل روبوتات المحادثة الذكية، فإن النتائج التي تحصل عليها تأتي في معظمها من الإنتاج الفكري الأنجلوسكسوني. لا لأن هذا الإنتاج أفضل بالضرورة، بل لأن البيانات التي دربت عليها هذه الأنظمة مشبعة بالتحيز الثقافي لمنتجيها. المحتوى العربي على الإنترنت، رغم ضخامة أعداد المتحدثين بالعربية، لا يكاد يذكر في هذه المعادلة. وبدلاً من أن نعمل على إنتاج محتوى رقمي عربي كثيف، نكتفي بالاستهلاك السلبي لما تقدمه لنا الآلة الغربية.
لقد تخلى مثقفونا ، في أغلبيتهم، عما سماه إدوارد سعيد العقل النقدي، وأصبحوا تابعين بالمعنى الكامل للكلمة. التابع هو الذي يتكلم بلغة السيد، ويفكر بأدوات السيد، ويعيد إنتاج رؤية السيد للعالم، حتى عندما يدعي أنه ينتقد السيد. نحن نعيش هذه الحالة بامتياز. فحتى نقدنا للهيمنة الغربية غالباً ما يتم باستخدام المناهج الغربية نفسها، وبالاستشهاد بالمفكرين الغربيين أنفسهم.
والأدهى من ذلك كله أننا نسينا تراثنا نحن. نسينا أن الحضارة العربية الإسلامية سبقت العالم في تنظيم المعرفة وبناء المكتبات. بيت الحكمة في بغداد لم يكن مجرد مخزن للكتب، بل كان مؤسسة معرفية متكاملة تجمع بين الترجمة والتأليف والبحث. خزائن القرويين والزيتونة والأزهر وغيرها من المكتبات العريقة في مدننا القديمة، كانت منارات للعلم قبل أن تعرف أوروبا معنى المكتبة العامة.
لقد ترك لنا ابن رشد منهجاً في التعامل مع النص والفكر، وترك لنا الغزالي نقداً حاداً للفلسفة من داخلها لا من خارجها، وترك لنا ابن خلدون علماً كاملاً في فهم الاجتماع البشري، وترك لنا ابن سينا والفارابي إسهامات في الفلسفة والطب والموسيقى لا تزال تدرس في جامعات العالم. وفي عصرنا الحديث، ترك لنا طه حسين ويوسف كرم ولويس عوض وعبد الرحمن بدوي ونصر حامد أبو زيد ومحمد عابد الجابري والعشرات غيرهم، تراثاً فكرياً نقدياً يستحق أن نبني عليه.
لكن ماذا فعلنا بهذا كله؟ حولناه إلى مواد للاحتفال في المناسبات الرسمية، بينما نعيش فكرياً على المستورد الجاهز. نتحدث عن العالمية ونتجاهل المحلية، نتحدث عن المعايير ونتناسى السياقات، نتحدث عن التطور وننسى الجذور.
في حقل المكتبات والمعلومات، وهو الحقل الذي أتحدث عنه لأنه أحد المداخل الأساسية لتنظيم المعرفة، تبدو الأزمة واضحة. نحن نعمل في مؤسسات معلوماتية، لكننا لا نسأل عن الأسس الفلسفية لما نقدمه. نطبق أنظمة تصنيف وفهرسة أجنبية، دون أن نسأل عن مدى ملاءمتها لسياقنا الثقافي. نتحدث عن وصول المعلومات وحرية الاطلاع بمصطلحات مستوردة، بينما الحقائق على الأرض تقول إن المكتبة العربية في معظمها لا تزال مؤسسة نخبوية لا تصل إلى عموم الناس. نعلم طلابنا نظريات غربية في علم المعلومات، ولا نذكر لهم إسهامات أجدادنا في هذا المجال.
بالتأكيد المشكلة ليست في الاستفادة من الآخر. الاستفادة من الآخر واجبة ومطلوبة، والعزلة الفكرية انتحار بطيء. المشكلة هي في التبعية العمياء، في أخذ كل شيء دون تمحيص، في فقدان القدرة على السؤال.
نحتاج إلى أن نستعيد السؤال. و إلى جيل جديد من أمناء المكتبات والمعلوماتيين العرب يتجرأ على التساؤل لماذا نقبل تصنيفاً يهمش ثقافتنا؟ لماذا نعتمد معايير لم نساهم في وضعها؟ لماذا نتحدث عن العالمية وكأنها مرادف للغرب؟
نحتاج إلى العودة إلى تراثنا، ليس بدافع الحنين إلى الماضي، لكن بدافع استخلاص القيم والأدوات التي يمكن أن تساعدنا في بناء حاضرنا ومستقبلنا. ابن خلدون لم يكتب المقدمة لكي نضعها في متحف، لكي نستخدم منهجه في فهم مجتمعاتنا اليوم. وإخوان الصفا لم يؤلفوا رسائلهم لكي نتغنى بها في الأمسيات الثقافية، بل لكي نتعلم منهم كيف نمزج بين العلوم والمعارف المختلفة.
نحن لا نحتاج إلى من يحدثنا عن خطط التنمية وبناء مجتمع المعرفة إذا كنا لا نستطيع حتى أن نسأل عن أسباب تخلفنا المعرفي. إن أول الطريق إلى النهضة هو استعادة العقل النقدي، ذلك العقل الذي يرفض المسلَمات، ويسأل عن البديهيات، وينظر إلى ما وراء الواجهات البراقة للمؤسسات والنظم والمصطلحات.
وعلى هذا الطريق، علينا أن نسأل كثيراً عن المكتبات ودورها في التكريس للهيمنة أو التحرر منها، عن نظم التصنيف والفهرسة وما تخفيه من تحيزات، عن الذكاء الاصطناعي وما يحمله من أنماط معرفية أحادية، عن المعايير العالمية وما تتضمنه من ادعاءات تتعارض مع التنوع الثقافي. علينا أن نسأل هذه الأسئلة وغيرها، ليس من موقع المتذمر الناقم، بل من موقع المفكر النقدي البناء.
ولمن يقول وماذا بعد السؤال؟ أقول له أن السؤال بداية المعرفة، ومن لا يسأل لا يعرف، ومن لا يعرف لا يستطيع أن يغير. فلنسأل إذاً، ولنعلم أبناءنا وطلابنا أن يسألوا، ففي السؤال نجاة من التبعية، وفي التبعية موت بطيء للعقل والروح.










