قد يتساوى شخصان في العمر وفق تاريخ الميلاد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن أجسادهما تتقدم في العمر بالوتيرة نفسها، فقد يكون أحدهما أكثر عرضة للتراجع الجسدي أو الإصابة ببعض الأمراض المزمنة مقارنة بشخص آخر في العمر نفسه.
ومن هنا ظهر مفهوم العمر البيولوجي، الذي يحاول العلماء من خلاله قياس الحالة الفعلية للجسم ومدى اختلافها عن العمر الزمني.
وفي دراسة أمريكية حديثة نُشرت في مجلة Nature، حلل باحثون عينات دم لأكثر من 3200 شخص، بهدف معرفة ما الذي تقيسه بالفعل مجموعة من أشهر الأدوات المستخدمة لتقدير العمر البيولوجي، وما العمليات التي تحدث داخل الجسم عندما تشير هذه الأدوات إلى تسارع الشيخوخة.
ما المقصود بالعمر البيولوجي؟
العمر الزمني هو عدد السنوات التي عاشها الإنسان منذ ولادته، بينما يشير العمر البيولوجي إلى حالة الجسم من الناحية الصحية والوظيفية مقارنة بما هو متوقع بالنسبة إلى العمر الزمني.
ولا يعني ارتفاع العمر البيولوجي بالضرورة أن الشخص مصاب بمرض معين، لكنه قد يعكس وجود تغيرات داخلية مرتبطة بعملية الشيخوخة أو بعوامل صحية مختلفة.
ولهذا يحاول الباحثون تطوير وسائل تستطيع رصد هذه التغيرات بصورة أكثر دقة.
كيف تعمل «الساعات اللاجينية»؟
ركزت الدراسة على ما يعرف بـالساعات اللاجينية (Epigenetic Clocks)، وهي أدوات تعتمد على تحليل تغيرات كيميائية تحدث في الحمض النووي.
ولا تؤدي هذه التغيرات إلى تعديل الشفرة الجينية نفسها، لكنها قد تؤثر في طريقة تشغيل بعض الجينات أو إيقافها.
ويستخدم العلماء هذه المؤشرات لمحاولة فهم العلاقة بين سرعة الشيخوخة وعدد من النتائج الصحية، مثل الإصابة بالأمراض المزمنة، والتراجع في القدرات البدنية، ومخاطر الوفاة.
ماذا يحدث داخل الجسم عندما تتسارع الشيخوخة؟
اعتمد الباحثون على بيانات من دراسة الصحة والتقاعد الأمريكية، وحللوا عينات دم لـ3227 شخصًا.
وقارن الفريق نتائج خمس ساعات لاجينية شائعة مع نشاط الجينات داخل عينات الدم، بهدف تحديد العمليات البيولوجية التي ترتبط بكل مؤشر من مؤشرات الشيخوخة.
وأظهرت النتائج أن هذه الساعات لا تقيس جميعها الشيء نفسه.
فبعضها ارتبط بدرجة أكبر بالعمليات المتعلقة بإنتاج الطاقة ونمو الخلايا، بينما ارتبطت مؤشرات أخرى بصورة أوضح بوظائف الجهاز المناعي والالتهابات.
ومع ذلك، ظهرت مجموعة من العمليات المشتركة بين المؤشرات المختلفة، من بينها تغيرات مرتبطة بـالمناعة والتمثيل الغذائي والتواصل بين الخلايا.
لماذا لا تعطي جميع «الساعات» النتيجة نفسها؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن مفهوم العمر البيولوجي أكثر تعقيدًا من اختزاله في رقم واحد.
فكل أداة قد تكون أكثر ارتباطًا بجانب محدد من عمليات الشيخوخة، ولذلك يمكن أن تكون ساعة معينة مفيدة عند دراسة التغيرات المناعية، بينما تكون أداة أخرى أكثر ملاءمة لدراسة عمليات الأيض وإنتاج الطاقة.
وهذا يعني أن اختيار أداة قياس العمر البيولوجي قد يعتمد على السؤال الصحي أو البحثي الذي يحاول العلماء الإجابة عنه.
الباحثون يطورون مؤشرات جديدة لقياس الشيخوخة
لم يتوقف الباحثون عند تحليل الساعات اللاجينية الموجودة، بل طوروا مؤشرات جديدة أطلقوا عليها «درجات شيخوخة الجينات النسخية» (TAGS).
وتهدف هذه المؤشرات إلى ربط التغيرات في نشاط الجينات بصورة مباشرة بالوظائف والنتائج الصحية.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه المؤشرات أظهرت في بعض الحالات قدرة على التنبؤ بعدد من النتائج الصحية بصورة أفضل من الساعات اللاجينية وحدها.
ومن بين النتائج التي ارتبطت بها الضعف الجسدي، وسرعة المشي، وأمراض القلب، والسكري، وأمراض الرئة، بالإضافة إلى خطر الوفاة.
هل يمكن أن تكشف هذه المؤشرات أنك تشيخ أسرع من عمرك؟
تقدم الدراسة مؤشرات مهمة لفهم آليات الشيخوخة داخل الجسم، لكنها لا تعني أن أي شخص يمكنه الاعتماد على هذه الاختبارات وحدها لمعرفة مستقبله الصحي.
فالشيخوخة عملية معقدة تتأثر بعوامل متعددة، كما أن العمر البيولوجي ليس تشخيصًا طبيًا مستقلًا يمكن من خلاله الحكم على الحالة الصحية للشخص.
وتكمن أهمية هذه الأبحاث في محاولة فهم العمليات الجزيئية التي ترتبط بتقدم العمر، وهو ما قد يساعد مستقبلًا في تطوير طرق أكثر دقة لدراسة الشيخوخة والأمراض المرتبطة بها.
ماذا يمكن أن يستفيد الطب من هذه النتائج؟
ترى الباحثة الرئيسية في الدراسة، إيلين كريمنز من مدرسة ليونارد ديفيس، أن النتائج تساعد على كشف العمليات الجزيئية المرتبطة بمؤشرات العمر البيولوجي.
وقد يساهم فهم هذه العمليات في جعل أدوات قياس الشيخوخة أكثر قابلية للتفسير، كما يمكن أن يدعم استخدامها في أبحاث الشيخوخة وعلم الأوبئة، وربما يمهد لتطبيقات طبية مستقبلية.
وبذلك لا يصبح السؤال فقط: «كم يبلغ عمرك؟»، وإنما أيضًا: «ماذا يحدث داخل جسمك مع مرور هذه السنوات؟»










