أجاب الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية عن سؤال ورد إليه نصه: “ما حكم تطهير السجاد بالبخار والتنظيف الجاف؟ فقد أراد القائمون على أحد المساجد غسيل سَجَّاد المسجد، فتقدمت إحدى شركات التنظيف الحديثة المتخصصة في تنظيف الأوساخ والنجاسات بالبخار (وهو ما يعرف بخدمة “التنظيف الجاف” التي لا تعتمد على الماء السائل)، فهل يحصل بذلك تطهير السَّجاد إذا أصابته نجاسةٌ؟”.
وقال المفتي، عبر الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية في فتوى حديثة: “الأصل في التَّطهير أن يكون بالماءِ السائل الطَّهور، ويجوز شرعًا تطهير النجاسات بكلِّ ما يَعمَل عمَله في التنظيف، ويشمل البخار أو ما يعرف بـ”التنظيف الجاف”، ومِن ثمَّ يجوز للقائمين على المسجد تنظيف السَّجاد المتنجِّس بطريقة التنظيف الجاف الحديثة مِن غير استعمال الماء الجاري ما دام يتحقَّق بها إزالة النَّجاسة الحالَّة فيها عينًا وأثرًا، وبهذا يحصُل التَّطهير المطلوب شرعًا”.
تطهير السجاد بالبخار والتنظيف الجاف
التَّطهيرُ بالبخارِ على هيئته الغازيَّة مِن غير تكثيفٍ أو استعمالِ الماءِ السائل -كما هي مسألتنا- مختلفٌ فيه بين الفقهاء على قولين:
الأول: قول جمهور الفقهاء مِن الإمامين محمَّد بن الحسن وزُفَر مِن الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة بعدم جواز تطهير النَّجاسة بغير الماء، فلا بدَّ في تطهيرها مِن استعماله؛ لأنَّ الماء هو المتعيِّن للتَّطهير عندهم.
قال العلامة المَرغِينَانِي الحنفي في “الهداية” (1/ 36، ط. دار إحياء التراث العربي) في كلامه على تطهير النجاسات: [قال محمَّد وزفر والشَّافعي رحمهم الله: لا يجوز إلا بالماء؛ لأنه يتنجَّس بأوَّل الملاقاةِ، والنَّجِسُ لا يفيد الطهارة، إلا أنَّ هذا القياس تُرك في الماءِ للضرورة] اهـ.
وقال العلامة ابن عسكر المالكي في “إرْشَاد السَّالِك” (1/ 3، ط. الحلبي): [لا يَرفع الحدثَ والخبثَ إلا الماءُ المطلق، وهو: ما كان على خلقته، أو تغير بما لا ينفكُّ غالبًا كقراره، والمتولِّد منه] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في “المجموع” (1/ 92): [رفع الحدث وإزالة النجس لا يصحُّ إلا بالماء المطلق، فهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في “الإنصاف” (2/ 275، ط. دار إحياء التراث العربي) في أول باب إزالة النَّجاسةِ: [لَا تجوز إزالتها بغير الماءِ] اهـ.
والآخر: قول أبي حنيفة وأبي يوسف من الحنفيَّة، وبعض فقهاء المالكيَّة، ورواية للإمام أحمد اختارها الشيخ ابن تيميَّة بأنَّه يجوز تطهير النجاسات وإزالتها بكلِّ قالِعٍ، ولا تتعين الإزالة في الماء؛ حيث إنَّ النَّجاسة حاصلةٌ بالمجاورة، فنجاسةُ المحلِّ حكمٌ ثبت لوجود معنى التَّنجُّس فيه، فإذا زالت أجزاء النجاسة زال المعنى والحكم، وبقي الحكم بالأصل وهو الطهارة، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي بكر الأصم.
قال العلامة المَرغِينَانِي الحنفي في “الهداية” (1/ 36) في بيان تطهير النجاسة: [يجوز تطهيرها بالماءِ وبكلِّ مائعٍ طاهرٍ يمكن إزالتها به كالخلِّ، وماء الورد، ونحوه مما إذا عُصِرَ انعصر، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله] اهـ.
وقال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في “البناية” (1/ 705، ط. دار الكتب العلمية) شارحًا: [(فإذا انتهت أجزاء النجاسة) بانتهاء أجزائها المتناهية؛ لتركبها مِن جواهر لا تتجزأ (يبقى) أي: المحل (طاهرًا) لزوال النجاسة بالعصر، لأنه إذا عُصِرَ يخرج مِنه ويصحبه ما يلاقيه مِن أجزاء النَّجاسِة، هكذا في المرة الثَّانية والثالثة إلى أن يزول محلُّ الأجزاء، فيبقى المحلُّ طاهرًا؛ لانتقال النجس إلى الماء جزءًا فجزءًا؛ لأنَّ الشيءَ الواحد مُحالٌ أن يكون في محلين في حالة واحدة، والحكم إذا ثبت لمعنًى يزول بزوال ذلك المعنى، ولهذا لو قلع محل النجاسة بقي الثوبُ طاهرًا] اهـ.
وقال العلامة الحطاب المالكي في “مواهب الجليل” (1/ 162، ط. دار الفكر) في الكلام على إزالة النجاسة: [ذكر ابن بشيرٍ وتابِعوه قولًا أنها تُزال بكلِّ قلَّاعٍ كالخلِّ] اهـ.
وقال الإمام النووي في “المجموع” (1/ 93) حكايةً لمذهب القائلين بجواز التطهير بغير الماء: [حَكى أصحابُنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي بكرٍ الأصم: أنَّه يجوز رفعُ الحدثِ وإزالة النَّجَس بكلِّ مائِعٍ طاهرٍ] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في “الإنصاف” (1/ 309) في ذكر ما روي عن الإمام أحمد فيما تُزَال به النجاسة: [وعنه: ما يدل على أنها تُزال بكلِّ مائعٍ طاهرٍ مُزيل، كالخلِّ ونحوه، اختاره ابن عقيل، والشيخ تقي الدين، وصاحب “الفائق”، ذكره في آخر الباب. وقيل: تُزال بغير الماء؛ للحاجة، اختاره المجد. قال حفيده: وهو أشبه بنصوصِ أحمد] اهـ.
وقال الشيخ ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (21/ 475، ط. مجمع الملك فهد) بعد أن ساق الأقوال الثلاثة للإمام أحمد في إزالة النجاسة بغير الماء: [إذا كان كذلك فالرَّاجح في هذه المسألة أنَّ النَّجاسة مَتى زالت بأيِّ وجهٍ كان زال حُكمُها؛ فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلَّةٍ زال بزَوالِها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النَّجاسِة لغير حاجةٍ] اهـ.
والحاصل: أن تطهير النجاسة بالبخار مما يعرف بالتنظيف الجافِّ يُعدُّ مِن جملة الوسائل المعاصرة المزيلة للنجاسة والتي يمكن تخريجها على ما أجاز بعض الفقهاء تطهير النجاسة به مِن غير الماء كالمائعات من الخلِّ، وماء الورد، أو التطهير بغير المائع مما يمكن به إزالة عين النجاسة كالفرك والتجفيف ونحوه؛ رفعًا للمشقةِ الموجودة في بعض الأحوال عند استعمال الماءِ المباشر في التَّطهير، وهو ما تقرَّر في القواعد الفقهية.
قال الإمام السيوطي في “الأشباه والنظائر” (ص: 76، ط. دار الكتب العلمية): [المشقة تجلب التيسير] اهـ.
وقال نقلًا عن الإمام الشافعيِّ (ص: 83): [إذا ضاق الأمر اتسع] اهـ.










