تساءلت إحدى السيدات عن سبب استمرار ما تتعرض له من ابتلاءات وأمراض هي وأبناؤها، رغم حرصها على الالتزام بما يأمر به الشرع، مؤكدة أنها لجأت إلى الدعاء وفعلت كل ما تستطيع، إلا أنها لم ترَ الاستجابة التي تنتظرها، وهو ما دفعها إلى السؤال عن التصرف الصحيح في هذه الحالة.
وعرضت السائلة مشكلتها على الشيخ حسن اليداك، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، قائلة: «الابتلاءات والأمراض تراكمت عليّ وعلى أبنائي، وفعلت كل ما يأمر به الشرع، ولم يُستجب دعائي، ماذا أفعل؟».
وخلال لقاء تلفزيوني، تناول أمين الفتوى هذه المسألة موضحًا أن التعامل مع كثرة الابتلاء مع الاستمرار في الطاعة والدعاء يحتاج إلى إدراك طبيعة العلاقة بين العبد وربه، وعدم النظر إلى الطاعة باعتبارها معاملة يحصل الإنسان بموجبها على مقابل مباشر.
الطاعة في حد ذاتها نعمة
وأوضح الشيخ حسن اليداك أن الإنسان عندما يوفَّق للطاعة والإخلاص فيها، فإنه يكون قد نال فضلًا من الله سبحانه وتعالى، لأن الطاعة ليست مجرد جهد يبذله الإنسان من تلقاء نفسه، وإنما التوفيق إليها والقدرة على الاستمرار فيها من نعم الله على عبده.
واستشهد أمين الفتوى بقول ابن عطاء الله السكندري: «كيف تطلب عوضًا على أمر هو متصدق به عليك؟»، مبينًا أن المعنى المقصود هو أن العبد لا ينبغي أن يتعامل مع الطاعة على أنها أمر يستحق عليه عوضًا من الله، لأن أصل التوفيق للطاعة والصدق فيها فضل ومنحة من الله سبحانه وتعالى.
وأضاف أن اجتماع الطاعة مع الإخلاص فيها يمثل نعمتين عظيمتين، ولذلك لا يصح أن ينظر الإنسان إلى ما يقدمه من عبادة وطاعة باعتباره مقابلًا لا بد أن يؤدي مباشرة إلى انتهاء البلاء أو تحقق ما يتمناه، مشيرًا إلى أن الطاعة في ذاتها كرامة ونعمة، كما أن الابتلاء قد يكون هو الآخر بابًا من أبواب المنح الإلهية، لما يمكن أن يترتب عليه من رفعة درجات العبد.
الابتلاء ليس دليلًا على البعد عن الله
وأشار أمين الفتوى إلى أن الابتلاء سنة ماضية في حياة المؤمنين، وأن تعرض الإنسان للمحن والأمراض والمصاعب لا يعني بالضرورة أن الله سبحانه وتعالى قد تركه أو ابتعد عنه، بل قد يكون الابتلاء سببًا في انتقال العبد من درجة إلى درجة أعلى.
واستشهد في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل»، موضحًا أن أشد الناس تعرضًا للابتلاء هم الأنبياء، ثم يليهم في ذلك من كان أقرب إلى الصلاح والاستقامة، بما يؤكد أن وجود البلاء لا يمكن اعتباره وحده دليلًا على غضب الله أو عدم قبول الطاعة.
كما استشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ… وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، مبينًا أن القرآن الكريم قرن الابتلاء بالبشارة للصابرين، بما يوضح أن الصبر والثبات أمام الشدائد لهما مكانة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى.
الصبر وحسن الظن بالله طريق الفرج
وبيّن الشيخ حسن اليداك أن المطلوب من الإنسان في مواجهة هذه الظروف هو الجمع بين الصبر وحسن الظن بالله، مع عدم التوقف عن الطاعة أو الدعاء، حتى إذا تأخرت الإجابة ولم تتحقق أمنية العبد في الوقت الذي يريده.
وأوضح أن تأخر الإجابة لا يعني أن الدعاء لم يُقبل، فقد يؤخر الله سبحانه وتعالى الإجابة لحكمة يعلمها، أو يدفع عن العبد بسبب دعائه شرًا كان يمكن أن يصيبه، أو يدخر له ثواب دعائه وأجره في الآخرة.
وأكد أمين الفتوى أن الواجب على الإنسان ألا يستسلم لليأس بسبب استمرار البلاء أو تأخر ما يرجوه، وإنما يواصل الدعاء والطاعة، ويتمسك بحسن الظن بالله، ويوقن بأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر الصابرين، وأن الثبات في أوقات الشدة هو الطريق إلى الفرج، مع اليقين بأن لكل أمر حكمة ووقتًا يعلمه الله.










