افتتح الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، فعاليات الأسبوع الدعوي الرابع والعشرين، الذي تنظمه اللجنة العليا للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية بالتعاون مع جامعة الجلالة، تحت عنوان: «الدين.. ضرورته وحاجة الإنسانية إليه».
وأشاد الدكتور محمد البدري، عميد كلية الطب بجامعة الجلالة، بالدور العلمي والدعوي الذي يضطلع به الأزهر الشريف في نشر صحيح الدين وترسيخ القيم الأخلاقية وبناء الوعي لدى مختلف فئات المجتمع، مثمنا جهود مجمع البحوث الإسلامية في تنظيم الأسابيع الدعوية بالجامعات، وحرصه على التواصل المباشر مع الشباب ومناقشة القضايا التي تشغلهم، بما يعزز وعيهم الديني والفكري، ويحصنهم من الأفكار المغلوطة والمفاهيم غير الصحيحة.
وأكد أهمية أن يتلقى الشباب العلوم الدينية من مصادرها الأصيلة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف بما يمتلكه من تراث علمي راسخ ومنهج وسطي يجمع بين فهم النصوص الشرعية وإدراك مقاصدها، لأن الرجوع إلى أهل الاختصاص يساعدهم على تكوين فهم صحيح للدين، وإقامة هذه الفعاليات داخل الجامعات تتيح للطلاب فرصة الحوار المباشر مع علماء الأزهر، والتعرف إلى الرؤية الإسلامية للقضايا المعاصرة، وربط المعرفة الدينية بواقع الحياة، بما يعزز قيم الانتماء والمسؤولية والتسامح.
الحفاظ على الضروريات الخمس
وأكد الدكتور محمد الجندي، أن الوعي ضرورة تنطلق من إدراك أهمية الحفاظ على الضرورات الخمس، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، لأن الوعي الديني يقوم على معرفة الله تعالى والاستدلال على وجوده بأدلة عقلية وفطرية وكونية، التي تتكامل في الجمع بين قوة البرهان وصفاء الفطرة، والمتأمل في خلق الإنسان ودقة تركيبه وفي نظام الكون وإحكامه يكشف عن قدرة الخالق وحكمته، قال تعالى: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين»، وأشار العلماء إلى ذلك، فقال الإمام الغزالي في كتابه «المنقذ»: «ولا يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ولا سيما بنية الإنسان».
وبين الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن الإنسان يولد على الفطرة التي تقوده إلى الإقرار بوجود خالقه واللجوء إليه وقت الشدة، قال تعالى: «فطرة الله التي فطر الناس عليها»، كما أن حدوث الكون وإحكام نظامه وتناسق مكوناته تدل على وجود الخالق المدبر، قال تعالى: «أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون»، مؤكدا أن الوعي الديني يدفع إلى إعمال العقل والنظر في الكون، ومواجهة الأفكار المادية بالحجة والدليل، إلى جانب إدراك قيمة الوقت والمسؤولية عن العمر والشباب والمال والعلم، والاستعداد للقاء الله بحسن العمل واستثمار ما بقي من العمر فيما ينفع.
وأوضح أن الحضارة الإسلامية قدمت إسهامات علمية بارزة، ابتكر فيها الخوارزمي علم الجبر، وأسهم جابر بن حيان في تأسيس الكيمياء العملية، وبرع ابن سينا والرازي في الطب وتطوير العقاقير، ووضع الحسن بن الهيثم أسس علم البصريات والمنهج التجريبي، وهذه الجهود ارتبطت بحاجات الإنسان، لأن الوعي الديني الصحيح لا يتعارض مع طلب العلم، بل يجعل المعرفة والعمل والإسهام في تقدم البشرية من صور عمارة الأرض وخدمة الإنسان، كذلك فإن أن الوعي الأخلاقي يحمي المجتمع من الانحراف والفوضى، وأن ترسيخ القيم الدينية في السلوك اليومي أساس لاستقرار الفرد والمجتمع.
استقطاب الشباب والتقليد الأعمى
وحذر الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، من الاستقطاب والتقليد الأعمى والإدمان والمخدرات، قال تعالى: «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»، كذلك من الاستخدام غير الواعي لمواقع التواصل وتطبيقات المراسلة، وما قد يترتب عليه من تجسس وتتبع لعورات الناس وانتهاك خصوصياتهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته».
وأكد أن الصحبة الصالحة والقدوة الحسنة تؤثران في تشكيل الوعي والسلوك، قال تعالى: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا»، لذلك علينا التمييز بين القدوة القائمة على الإيمان والاستقامة والمسؤولية، والنماذج التي تروج للعنف والبلطجة تحت شعارات الشهامة والرجولة.
وأوضح الأمين العام أن الوعي الديني لا يقف عند حدود المعرفة، بل يظهر في العبادة والإحسان وضبط النفس وحماية المجتمع من الانحراف، مستعرضا موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الشاب الذي استأذنه في الزنا، إذ حاوره برفق وسأله إن كان يقبل ذلك لأمه أو ابنته أو أخته أو عمته أو خالته، ثم دعا له قائلا: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه» كما أن الوعي الأخلاقي يقتضي إدراك خطورة إشاعة الفاحشة ونشر المحتوى المخالف للقيم، قال تعالى: «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون»، مشددا على ضرورة تحري المسؤولية في إنتاج المحتوى وتداوله، والجمع بين الثبات على القيم والرفق بالناس، بما يعزز القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ واتخاذ قرارات واعية تحمي الفرد والمجتمع.
من جانبه قال الدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، إن الدين هو وضع إلهي يسوق الناس إلى ما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم، من خلال ما أنزله الله تعالى على أنبيائه ورسله، لأن الدين يمثل منهجا متكاملا ينظم حياة الإنسان، ويهديه إلى ما يحقق له الاستقامة والتوازن في علاقته بربه ونفسه ومجتمعه، كما يرسخ منظومة من القيم والمبادئ التي تضبط السلوك، وتحفظ الحقوق، وتحقق العدل والتكافل بين الناس، لذلك لا يمكن الاستعاضة عنه بفكرة أو مذهب أو نظرية بشرية؛ لأن الأفكار والنظريات تتأثر بميول أصحابها وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية، وقد تلائم فئة من الناس دون غيرها، بينما يخاطب الدين الفطرة الإنسانية، ويقدم من القيم والتوجيهات ما يحقق مصالح الإنسان ويضبط علاقاته على أساس من الحق والعدل والرحمة، والوعي بحقيقة الدين يساعد على فهم رسالته فهما صحيحا، ويمنع الخلط بين ثوابته وما يطرأ على أفكار البشر من تغير واختلاف.
وأضاف الدكتور حسن يحيى، أن الدين الصحيح لا يتعارض مع الفكر السليم، بل يهديه ويضبط مساره، ويحث الإنسان على إعمال العقل وتحمل المسؤولية والعمل من أجل إصلاح المجتمع، وأثر الدين لا يقف عند حدود العبادات والشعائر، وإنما يمتد إلى تعزيز الولاء للوطن، والمحافظة على مقدراته، وترسيخ الشعور بالمسؤولية تجاه أمنه واستقراره وتقدمه، كما أن القيم الدينية تسهم في توحيد صفوف المجتمع، وتقوية روابطه، وتجاوز الخلافات والتحديات، من خلال ترسيخ معاني الانتماء والتعاون والتكافل واحترام الآخر.
وأوضح أن الوعي الديني الواعي يجعل حب الوطن سلوكا عمليا يظهر في الإخلاص في العمل، وصيانة الممتلكات العامة، واحترام القانون، والمشاركة الإيجابية في البناء والتنمية، لذلك فإن تمسك المجتمع بقيمه الدينية والأخلاقية يمثل ركيزة أساسية في مواجهة الأفكار المنحرفة ومحاولات بث الفرقة، وأن بناء الوعي لدى الشباب يقتضي بيان العلاقة بين الدين وصلاح الحياة، بما يعزز انتماءهم لوطنهم، ويدفعهم إلى الإسهام في نهضته وتحمل مسؤولياتهم تجاه مستقبله.
ومن المقرر أن تستمر فعاليات الأسبوع الدعوي الرابع والعشرين بجامعة الجلالة على مدار أربعة أيام، بدءًا من الأحد 11 أكتوبر أمين البحوث الإسلامية يفتتح الأسبوع الدعوي الـ24 بجامعة الجلالة بعنوان «الدِّين.. ضرورته وحاجة الإنسانيَّة إليه»

















