قال محمد الحارثي عضو لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة خبير تكنولوجيا المعلومات، إن الصناعة الرقمية أصبحت رؤية استراتيجية تتبناها الدولة المصرية، وأصبحت الصناعة الرقمية في قلب رؤية مصر 2030 واستراتيجية «مصر الرقمية»، والمؤشر الأوضح على ذلك أن الدولة تستهدف تحويل قطاع الاتصالات من قطاع خدمي إلى قطاع إنتاجي، ومضاعفة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لتتجاوز 6% ولا يتوقف الأمر عند الخدمات، بل يمتد إلى توطين تصنيع الإلكترونيات والهواتف المحمولة، وهذا تحول نوعي في التفكير الاقتصادي للدولة.
وأضاف الحارثي، في حواره مع وكالة أنباء الشرق الأوسط، اليوم/الخميس/، أن مصر تمتلك فرصة نادرة في التحول إلى مركز إقليمي لمراكز البيانات، فنحن نقع على مسار عدد كبير من كابلات الإنترنت البحرية التي تربط أوروبا بآسيا وأفريقيا، وهذا يمنحنا ميزة سرعة استجابة لا تتوافر لكثير من المنافسين يضاف إلى ذلك انخفاض تكلفة التشغيل، من الطاقة إلى الأراضي إلى الكوادر، مقارنة بأوروبا والخليج.
كما أن مشروعات الطاقة المتجددة الكبرى، مثل بنبان وخليج السويس، توفر الطاقة النظيفة التي أصبحت شرطًا أساسيًا لدى كبرى شركات الحوسبة السحابية وأمامنا سوقا أفريقية يتجاوز سكانها 1.4 مليار نسمة وما زالت بنيتها السحابية في بدايتها، والتحدي الأساسي هو ضمان استقرار الطاقة وحلول التبريد في مناخنا الحار، وهي تحديات لها حلول تقنية معروفة إذا توافرت الإرادة الاستثمارية.
وبسؤاله هل التحول الرقمي أصبح ركيزة أساسية في مختلف القطاعات؟، قال الحارثي التحول الرقمي لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح شرطًا للبقاء نرى ذلك بوضوح في القطاع المصرفي مع انتشار الدفع اللحظي والمحافظ الإلكترونية، وفي الخدمات الحكومية عبر منصة مصر الرقمية ونراه كذلك في القطاع الصحي مع منظومة التأمين الصحي الشامل، وفي المصانع مع أنظمة الصيانة التنبؤية، والمؤسسة التي لا تتحول رقميًا اليوم ستجد نفسها خارج المنافسة غدًا، من حيث التكلفة، وسرعة الخدمة، وجودة القرار المبني على البيانات.
وعن الجهود المبذولة لتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار؟، قال الجهود متعددة ومتكاملة فعلى مستوى البنية التحتية، استثمرت الدولة نحو 6 مليارات دولار في تطويرها خلال السنوات الثماني الماضية، إلى جانب إنشاء مناطق تكنولوجية في عدة محافظات وعلى مستوى السياسات، هناك المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والاستراتيجية الوطنية له، ومبادرات دعم ريادة الأعمال والنتيجة الملموسة أن مصر أصبحت وجهة مفضلة للشركات العالمية لإنشاء مراكز بحث وتطوير متخصصة في الذكاء الاصطناعي.
وبسؤاله هل تستهدف الحكومة المصرية رفع صادرات التعهيد والخدمات الرقمية إلى 6 مليارات دولار خلال عام واحد؟، قال نعم، وهو هدف واقعي بالنظر إلى معدلات النمو الحالية فصادرات التعهيد تجاوزت 5.2 مليار دولار، والمستهدف الوصول إلى 6 مليارات خلال العام الجاري، أي بزيادة تقارب 15% والأهم من الرقم نفسه هو ما يعكسه من ثقة متزايدة لدى الشركات العالمية في الكوادر المصرية.
وأكد أن هذا الهدف الطموح يتطلب تضافر الجهود في سوق يشهد تنافسية عالمية شديدة، قائلا نحن لا ننافس في فراغ، بل أمام دول لها باع طويل مثل الهند والفلبين ودول شرق أوروبا، وأخرى صاعدة بقوة في منطقتنا وتحقيق الهدف يتطلب عدة عناصر معًا: حوافز ضريبية وتيسيرات إجرائية حقيقية، واستثمارًا في إتقان اللغات الأوروبية إلى جانب الإنجليزية، وانتقالًا من الخدمات منخفضة القيمة إلى الخدمات المعرفية عالية القيمة، واستقرارًا تشريعيًا ومرونة في التعاملات المالية لكن الأهم هو الشراكة الحقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات، فلا يستطيع طرف واحد أن يحقق هذا الهدف بمفرده.
وشدد على أن العنصر البشري يُعد الركيزة الأساسية لصناعة تكنولوجيا المعلومات، قائلا التكنولوجيا يمكن شراؤها، لكن الكفاءة لا تُشترى بل تُبنى والميزة التنافسية الحقيقية لمصر هي شبابها: نحو ثلثي السكان تحت سن 35 عامًا، ويتخرج سنويًا مئات الآلاف من الجامعات، منهم عشرات الآلاف في تخصصات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والشركات العالمية حين تختار مصر، تختارها أولًا من أجل هذه الكوادر؛ لذلك فإن كل جنيه يُستثمر في التعليم والتدريب هو استثمار مباشر في مستقبل الصناعة.
وعن مشروع «كرنك»، النموذج اللغوي المصري الكبير، وأهميته في دعم السيادة الرقمية، قال الحارثي” «كرنك» خطوة مهمة جدًا في ملف السيادة الرقمية طوّره مركز الابتكار التطبيقي التابع لوزارة الاتصالات بخبرات مصرية، بالبناء على أحدث النماذج العالمية مفتوحة المصدر وتدريبها على كم ضخم من البيانات والوثائق المصرية والعربية المنقحة وأهميته تكمن في ثلاثة أبعاد الأول إمكانية تشغيله داخل مراكز بيانات محلية، فلا تخرج البيانات الحكومية والحساسة إلى خوادم أجنبية والثاني قدرته على فهم العامية المصرية والسياق الثقافي المحلي والثالث أنه يمثل أساسًا يبني عليه المطورون المصريون تطبيقاتهم لكن الإطلاق ليس نهاية الطريق بل بدايته، والتحدي القادم هو الاستدامة والتطوير المستمر.
وعن بناء نماذج ذكاء اصطناعي تعتمد على بيانات محلية ومصرية مفتوحة، قال النماذج العالمية تدربت في معظمها على بيانات إنجليزية وغربية، لذلك تخطئ كثيرًا حين تُسأل عن قانون مصري أو إجراء حكومي أو حتى تعبير عامي بسيط، والبيانات المحلية المنقحة هي ما يمنح النموذج دقته وملاءمته للاحتياجات الوطنية وإتاحة هذه البيانات كبيانات مفتوحة، مع الالتزام الصارم بقانون حماية البيانات الشخصية، ستفتح الباب أمام الشركات الناشئة لبناء حلول حقيقية في التعليم والقانون والزراعة والصحة والخدمات الحكومية فالبيانات هي نفط هذا العصر، والبيانات المصرية ثروة لم نستثمرها بالكامل بعد.










