ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: أمرنا الشرع بتغيير المنكر، فما الضوابط التي نعرف بها أن هذا الفعل مُنْكَرٌ؟ وما الطَّرِيقَةُ والأدوات الصحيحة لتغييره؟
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إن واختلفت عبارة أهل العلم في بيان حقيقة المنكر؛ لتعدُّدِ صوره واختلافها؛ فمنهم من عرَّفه بما هو أعلى صُوَرِهِ، ومنهم من عرَّفه ببعض صُوَره؛ قال العلَّامة الراغب الأصفهاني في “المفردات”: [والمُنْكَرُ: كلُّ فِعْلٍ تَحكُمُ العقولُ الصحيحةُ بقُبْحِهِ، أو تتوقَّفُ في استقباحِهِ واستحسانه العقولُ فتحكم بقبحه الشَّريعةُ].
وأشارت إلى أن المنكر الذي يجب على الأمة تغييرُه هو: ما خالف الشرع -كتابًا وسُنَّة- مخالفةً قاطعةً، سواء في هذا أن تكون المخالفة لما أمر به الشرع إيجابًا أو لما نهى عنه تحريمًا، وسواء كانت المخالفة تركًا بالكُلِيَّة لما أمر به الشرع، أو زيادة عليه بغير نَصٍّ، أو نقصًا منه بغير عذرٍ، أو تغييرًا فيه، أو تبديلًا في ذاته.
كما يشترط أن يكون هذا المنكر مُتَّفَقًا على إنكاره؛ لثبوته بالكتاب أو السنة، بحيث لا يكون إنكارُه محلَّ خلافٍ بين أهل العلم الموثوق بهم من ذَوِي الاختصاص والتَّقوى، فإنْ كان محل اجتهاد واختلاف، فليس مما يجب على الأمة تغييرُه.
وذكرت أن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فرضُ كفاية؛ إذا قام به بعض النَّاس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم الكُلُّ ممن تمكَّن منه بلا عذرٍ ولا خوف.
وأوضحت أن وجود المنكر في المجتمع أمر طَبَعِيٌّ، لا يخلو منه مجتمع في أيِّ حِقبة من حِقب الزمان، ولكن الذي ليس من الطبيعي أن يرى أبناء المجتمع المنكر فلا يسعون إلى تغييره بضوابطه، وفي التغيير بقاءُ الحياة على النحو الذي يحبه الله عزَّ وعَلَا.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وقالت دار الإفتاء إن القرآن الكريم يوصي بضرورة التذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتَّواصيِ بالحقِّ والصَّبر؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، ويقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110].
وكذلك ورد في السنة المطهرة الحثُّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضعَ كثيرةٍ؛ منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونهي عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ» رواه مسلم في “صحيحه” واللفظ له، وأبو داود في “سننه”.
قال الإمام النَّوويُّ رحمه الله في “المنهاج شرح صحيح مسلم”: [اعلم أنَّ الأَمْرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكر قد ضُيِّع أكثره من أَزْمَانٍ متطاولة، ولم يَبْقَ منه في هذه الأزمان إلا رسومٌ قليلةٌ جدًّا، وهو بابٌ عظيمٌ، به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عمَّ العقابُ الصَّالحَ والطَّالحَ، وإذا لم يأخذوا على يَدِ الظَّالِم أَوْشَكَ أَنْ يعمَّهُم الله تعالى بعقابه؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].










