منذ السطر الأول في تاريخ الإنسانية حين وقعت أول جريمة على وجه الأرض بين قابيل وهابيل، ولد الصراع الأبدي بين الخير والشر وانقسمت النفوس البشرية إلى نهجين متباينين، نفساً تحمل طين الأرض وأطماعها وقسوتها، ونفساً تحمل سمو السماء ونقاءها ورحمتها. لقد قدم هابيل أفضل ما لديه ابتغاء الخير والسلام، بينما اندفع قابيل بالحسد والأنانية نحو سفك الدم المظلوم، فكانت تلك اللحظة بداية تأسيس القانون النفسي والاجتماعي العظيم الذي يخبرنا أن كل ساق سيسقى بما سقى.
فبالرغم من أن قابيل نال ما يتوهمه انتصاراً في تلك اللحظة، إلا أنه سُقي أول كؤوس الشقاء والندم والحيرة وظل يحمل وزر فعله مطروداً تائهاً تعتصر روحه المرارة، بينما بقى هابيل رمزاً للنقاء والعدل الذي تصونه الأقدار عبر التاريخ. ومنذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا والكون يدار بميزان دقيق لا يغفل. ففي كل مجتمع وحارة وبيت تتكرر القصة بوجوه مختلفة، فالخير طاقة نفسية دافئة تنبثق من نقاء الضمير وتصنع جسوراً من التراحم والتآلف بين البشر، بينما الشر نزعة تتغذى على الأنانية وحب السيطرة واستسهال كسر الخواطر وإيذاء الآخرين.
والظالم بطبعه قد يظن في لحظة غفلته أنه نجا بفعلته وتغلب على الضعفاء، لكنه ينسى أن العدالة الإلهية والنفسية تبني شباكها بهدوء وصرامة، فمن يروي أرواح الناس بالرحمة والكلمة الطيبة والمساندة سينبت الله في طريقه من يروي ظمأه حين تلم به الحياة وتشتد الأزمات، ومن يسقي الناس كؤوس الظلم والاستعلاء سيمر الزمن عليه ليذوق من الكأس نفسها وتلتف عليه الدائرة.
إن هذا الإدراك التاريخي والنفسي يعيد للقلوب المتعبة سكينتها ويثبت فيها اليقين بأن الحق لا يموت وأن الجراح التي يزرعها الظالمون ستتحول إلى سلام يغمر قلوب المظلومين. فلنكن دائماً في جانب هابيل ونقاء طويته، ولنطمئن إلى أن ميزان السماء أعدل من أن يضيع فيه حق أو ينسى فيه خير أو ينجو منه ظالم من عقاب ما صنعت يداه.










