في واقعة تثير تساؤلات حول مستقبل أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، كشف الدكتور السيد الصيفي، العميد السابق لكلية الأعمال بجامعة الإسكندرية، عن عزوف عدد من الطلاب الأوائل عن قبول التكليف بوظائف المعيدين داخل الكلية، رغم تفوقهم الدراسي، في مؤشر يفتح ملف الأوضاع المادية والمهنية لأعضاء هيئة التدريس، ومدى جاذبية العمل الأكاديمي للخريجين المتفوقين.
وقال الصيفي، في منشور عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» بتاريخ 5 نوفمبر 2026، إن الكلية واجهت صعوبة في استكمال إجراءات تكليف المعيدين من أوائل الخريجين، بعدما رفض عدد من الطلاب قبول الوظيفة، حتى وصلت المحاولات إلى الطالب صاحب الترتيب الرابع عشر على الدفعة.
14 طالبًا يرفضون التكليف.. ماذا حدث داخل الكلية؟
وأوضح الصيفي أن الواقعة حدثت في شعبة اللغة الفرنسية بكلية الأعمال، إذ رفض الطالب الأول على الدفعة التكليف بوظيفة معيد، ثم تلاه الطلاب الثاني والثالث والرابع، واستمر الرفض حتى الوصول إلى الطالب الرابع عشر، مع احتمالية اعتذاره أيضًا، رغم أن عدد طلاب الدفعة بالكامل لا يتجاوز 30 طالبًا.
وأضاف أن شعبة اللغة الإنجليزية شهدت بدورها رفض عدد من الطلاب، حتى وافق الطالب صاحب الترتيب الخامس على التكليف، مشيرًا إلى أن هناك أيضًا حالات لأشخاص سبق تعيينهم ثم تقدموا باستقالاتهم.
وتساءل الصيفي عن مستقبل العملية التعليمية حال استمرار عزوف المتفوقين عن العمل الأكاديمي، قائلًا: «لو فئة المعيدين رفضوا الوظيفة مين هيعلم الأجيال القادمة؟».
ضعف الرواتب وراء عزوف المتفوقين؟
وربط العميد السابق لكلية الأعمال بين عزوف الطلاب عن الوظائف الأكاديمية وضعف المقابل المادي، موضحًا أن الجامعة تُصنف باعتبارها منشأة خدمية وليست منشأة إنتاجية، وبالتالي لا تتمتع بنظام توزيع الأرباح أو الأسهم كما يحدث في بعض الشركات الإنتاجية.
وأشار إلى أن الجامعات تمتلك منشآت وشركات تابعة لها، لكن العائد من هذه الأنشطة لا ينعكس بالضرورة على رواتب العاملين وأعضاء هيئة التدريس، رغم الدور الذي تقوم به الجامعة في إعداد الكوادر البشرية التي تتولى مختلف الوظائف في المجتمع.
وأكد الصيفي أن الجامعات تمثل أحد أهم المؤسسات المسؤولة عن إنتاج المعرفة وتأهيل العقول، مشددًا على ضرورة الاهتمام بأعضاء هيئة التدريس والعاملين والطلاب، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
فاتورة الدين والإنفاق على التعليم
وتطرق الصيفي في منشوره إلى الضغوط التي تواجه الموازنة العامة للدولة، مشيرًا إلى أن فوائد الديون تبلغ، وفق الأرقام التي أوردها، نحو 2.4 تريليون جنيه، فيما تصل أقساط القروض إلى 2.8 تريليون جنيه، بإجمالي 5.2 تريليون جنيه.
وأوضح أن خدمة الدين تمثل أعباء كبيرة على الموازنة، لافتًا إلى أن الإنفاق على خدمة الدين يعادل نحو ثمانية أضعاف الإنفاق على التعليم والصحة مجتمعين، بحسب ما ذكره في المنشور.
كما أشار إلى أن زيادة أسعار الفائدة بنسبة 1% ترفع تكلفة الموازنة بنحو 85 مليار جنيه، معتبرًا أن معالجة عجز الموازنة تتطلب النظر إلى تكلفة الدين وأولويات الإنفاق، وليس الاكتفاء بزيادة الأعباء على مختلف الفئات.
هل تخسر الجامعات المصرية الكفاءات الشابة؟
تطرح الواقعة تساؤلات تتجاوز حدود كلية الأعمال بجامعة الإسكندرية، حول قدرة الجامعات المصرية على جذب المتفوقين إلى المسار الأكاديمي، في ظل تعدد الفرص المهنية المتاحة أمام خريجي الكليات النظرية والعملية، واختلاف مستويات الدخل بين العمل الجامعي والقطاع الخاص.
كما تفتح الباب لمناقشة مدى تناسب رواتب المعيدين مع طبيعة مسؤولياتهم، خاصة أن المسار الأكاديمي يتطلب سنوات من الدراسة والبحث العلمي والتدرج الوظيفي قبل الوصول إلى الدرجات العلمية الأعلى.
وتظل هناك حاجة إلى توضيح رسمي من جامعة الإسكندرية بشأن تفاصيل الواقعة، وأعداد الطلاب الذين اعتذروا بالفعل عن التكليف، وأسباب رفضهم، فضلًا عن القواعد المنظمة لتعيين المعيدين واحتياجات الأقسام العلمية.
فالخطر لا يرتبط فقط بصعوبة تعيين معيدين جدد، وإنما يمتد إلى احتمالية تراجع جاذبية المسار الأكاديمي أمام المتفوقين، بما قد يؤثر مستقبلًا على قدرة الجامعات على الاحتفاظ بالكفاءات التي تمثل أساس العملية التعليمية والبحث العلمي.










