كما كان متوقعا جاءت نتائج زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصين ، تؤسس لإعاده رسم المشهد العالمي في ظل التوترات الجيوسياسية في المنطقة ، وأزمة حرية الملاحة في مضيق هرمز ، والتأكيد على إعادة فتحه أمام حركة الملاحة العالمية . في ظل محاولات ترامب الضغط على الصين تجاه تحالفها مع إيران ، والتقليل من حجم المساندة وعدم دعمها عسكريا بالإضافة للإعتراف بالصين اللاعب الجديد القوي و المؤثر في المشهد العالمي .

في المقابل أكد الرئيس الصيني شي جين بينج ، على موقف بلاده من حرية القرار تجاه إيران ، وأيضا من ملف إستقلال تايوان وعدم دعم أمريكا لها أو مساندتها بعقد صفقات عسكرية معها .

من الطبيعي أن ملف إيران لم يكن هو الوحيد على طاولة إجتماعات الرئيس ترامب مع نظيره الصيني شي جين بينج  فكلا من الرئيسين يعلم قوه الأخر إقتصاديا وعسكريا ، لذلك كان الإتفاق على ضرورة أن يتفق اللاعبان على قواعد اللعبة في إدارة العالم ، وأن يكونا شريكين بدلا من متنافسين . وهو الأمر الذي أظن أنه لن يحدث .

فالصين تمتلك 90 % من المعادن العالمية النادرة التي تستخدم في صناعة التكنولوجيا الأمريكية ، خاصة في مجال الذكاء الإصطناعي ، بينما أمريكا تتحكم في 80 % من سوق معالجات الذكاء الإصطناعي .   و كلا منهما يحتاج للآخر ،

و بينما كانت التصريحات المعلنة تشير لقدره كلا منهما على الإنفراد بإدارة ملف الذكاء الإصطناعي وحده ، لكن في واقع الأمر ، أنه لا يمكن لأمريكا أو الصين الإستغناء عن الآخر في هذا الملف تحديدا . وسيظل التنافس قائم بينهما لعدم إعتماد كلا منهما علي الٱخر .

الصين هددت بتقليل صادرات المعادن النادره لأمريكا التي تستخدمها في الصناعات التكنولوجية ، وبذلك يتأثر سوق صناعة الذكاء الإصطناعي في أمريكا التي تريد تحقيق مكاسب في الشرق الأوسط . بينما الصين تريد فك الحظر الأمريكي عن الرقائق الإلكترونية المقيدة  بالتعريفات الجمركية التي فرضها ترامب من قبل ، لذلك كان ملف المفاوضات تحت شعار خفي تحت طاولة الإجتماعات ، مفاده بترول للصين مقابل تكنولوجيا لأمريكا .

الصين حسمت في المفاوضات مع ترامب ملف البترول الإيراني ، وأكدت أن موقفها ثابت ، و لا تتلقى أوامر من أحد ، وأن البترول الإيراني مصدر هام  للصين ، وهو خط أحمر  ، وأنها لن تسمح لأحد بالإقتراب منه .

في حين طلب ترامب من الصين الوساطة و الضغط علي  إيران لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية ، وبذلك يحقق ترامب مكاسب سياسية من فتح المضيق وهو الملف الذي يقلقه ويسعى لتحقيق مكاسب سياسية تزيد من شعبيته قبل الانتخابات في نوفمبر القادم ، وأيضا تظهره أمام العالم منتصرا علي التعنت الإيراني بعد تخلي أوروبا عنه في تلك الأزمة .

ولذلك وجه ترامب دعوة للرئيس الصيني لزيارة أمريكا في 24 سبتمبر القادم ، قبل الإنتخابات البرلمانية الأمريكية في الثالث من نوفمبر القادم ، و التي يخشي ترامب من فقدان حزبه الجمهوري دعم الناخب الأمريكي و بالتالي يفقد سيطرته علي صناعة القرار في  الكونجرس .

في ظل الإتفاق الصيني الأمريكي على ضرورة فتح مضيق هرمز  أمام حركة الملاحة العالمية ، للتقليل من حجم الكوارث الإقتصادية الناتجة من توقف حركة الإمدادات النفطية و التجارية للعالم ، جاء التأكيد الصيني لترامب بعدم التدخل عسكريا و ضرب المنشٱت البترولية الإيرانية التي تعتبرها الصين مصدر أساسي لها .

وأيضا مساندة أمريكا في الضغط على إيران بعدم إمتلاك سلاح نووي . وهنا اقترح الرئيس الصيني أن تحتفظ الصين باليورانيوم الإيراني المخصب ، وعدم تسليمه لأمريكا ، كحل وسط وهي النقطة الخلافية التي كانت تعترض عليها إيران ، لأن ترامب كان يصر على أن يأخذ اليورانيوم المخصب من إيران ، ولكن الصين عرضت أن تأخذه  كحل وسط يزيل من غمه توقف المفاوضات حول إمتلاك إيران له .

مكاسب كثيرة تحققت من زيارة ترامب للصين ، كان من أهمها عقد بشراء الصين 200 طائرة بوينج ، بالإضافة إلى التعاقد علي شراء  500 طائرة 737 ماكس ، وسوف تحقق الصفقتين لأمريكا تقليل في ميزان العجز التجاري ، بالاضافه لزيادة الصادرات الٱمريكية للصين . في المقابل فتحت الصين السوق أمام دخول اللحوم الٱمريكية لها  ،

كان أيضا من أهم نتائج المفاوضات بين الرئيسين الأمريكي والصيني هي إنشاء مجلسين أحدهما للإستثمار بين البلدين ، والآخر مجلس تجاري ، في الوقت الذي أعلن فيه البيت الأبيض أن الصين سوف تشتري منتجات زراعية أمريكية بما يبلغ 17 مليار دولار إبتداء من هذا العام .

من المكاسب أيضا الإتفاق على فتح مضيق هرمز أمام الملاحه البحرية بحلول سياسية عبر مفاوضات دون تدخل أمريكا عسكريا . بينما رفضت الصين أن يكون لها موقف ضد إيران في حل أزمة المضيق  .

وكان أهم ما في مناقشة الملف النووي الإيراني بين الرئيسين هو العرض االصيني بالإحتفاظ ب 450 كيلو يورانيوم إيراني مخصب . وهو اليورانيوم المخصب الذي تطالب أمريكا إيران بتسليمه لها ، لكن الصين عرضت أن يكون لها دور وسيط في إستقبال اليورانيوم المخصب كحل وسط ينهي أزمة صراع نووي بين الطرفين .

ملف آخر حققت فيه الصين المعادله والمكسب ، إذ نجحت في إبعاد أمريكا عن مساندة تايوان وهي الجزيرة  التي تعتبرها الصين جزء من أرضها وترفض إستقلالها ، وأكدت الصين أن ملف تايوان خط أحمر . في الوقت الذي تراجع فيه ترامب عن تسليم تايوان صفقة سلاح أمريكية و دعمها على الإستقلال . أيضا من المكاسب الصينية بجانب تجميد ملف تايوان ، رفع القيود الٱمريكية عن الشركات الصينية التي كانت تتعامل مع إيران.

الملف الذي لا تزال الصين تدرسه بعنايه ، هو العرض الأمريكي الخبيث للصين بشراء النفط الأمريكي بدلا من الإعتماد على النفط الخليجي  وهو الأمر الذي يمكن أن يؤثر على سوق بيع النفط الخليجي عالميا ، وبالتالي يؤثر على سعر البرميل إقتصاديا ، مما يؤدي لإحتماليه وجود عجز لدى بعد دول الخليج التي يمكن أن تتأثر بقله حجم المبيعات .

وأعتقد في رأيي الشخصي ، أن الصين سوف ترفض العرض الأمريكي بالإعتماد علي النفط الأمريكي ، ليكون بديلا للنفط الخليجي ، لأن الصين تعلم جيدا أنها لا يمكن أن تضع مستقبلها الإقتصادي تحت رحمة قرار من رئيس أمريكي يعطي النفط ، وآخر يأتي ليمنع النفط . الصين لن تقع في هذا الفخ الأمريكي الخبيث ولن تضع مستقبلها الصناعي تحت رحمة رئيس أمريكي يتحكم في مستقبل الصناعة الصينية  .

و أعتقد في رأي الشخصي أن الصين لن تتخلى أبدا عن النفط الإيراني ، الذي تشتريه بتخفيض من 15 إلى 20 دولار  في البرميل ، يوفر لها حوالي 10 مليارات دولار سنويا ،  بالإضافة لأن الصين لو تركت إيران سوف تضع أمريكا يدها في المنطقة وتسيطر على الخليج كاملا . بينما يمكن أن يؤثر موقفها الجديد على علاقتها بروسيا وبقية الدول الحليفه لها .

أيضا إيران تمتلك نفط تعتمد عليه الصين كمصدر اساسي يدخل في صناعتها ، حيث تستورد من إيران 80 % من حجم الإنتاج الإيراني ، بالإضافة إلي المعادن الإيرانية النادرة التي تساهم في نمو صناعتها

على جانب آخر تسعى السعودية للإقتراب أكثر من السوق الصيني ، وتمهد لتقويه العلاقات الصينية السعودية ،  بالتمهيد لزيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي للصين ليكون النفط السعودي بديلا عن النفط الإيراني في المنطقة ، كذلك تعزيز مكانة السعودية لدي الصين وتقليل حجم المخاطر الإيرانية تجاه السعودية .

أيضا على جانب آخر ، يبدو  أن النتائج التي تحققت من زياره ترامب للصين ، تخيف الكل ، فالزعيم الروسي بوتين سيصل إلى الصين في زيارة رسمية للتاكيد على متانة العلاقات والدعم و التعاون المشترك بينهما .

في ظل المكاسب التي تحصلت للصين من زيارة ترامب. الرئيس الروسي  بوتين يريد أن يطمئن على إستمرارية قوة العلاقات الصينية الروسية ، في ظل التقارب الأمريكي الصيني ، ويوجه رسالة إلى ترامب بأن روسيا والصين لا يزالا شريكين في كل المجالات .

في زيارات الرؤساء خاصة رؤساء الدول الكبرى ، يمكن أن تشاهد رسائل غير ناطقه ، لكنها تفهم .  و في إعتقادي أن الزيارة التي إصطحب فيها الرئيس الصيني نظيره الأمريكي ترامب لزيارة حديقة معمرة ، كان يرسل له رسالة خبيثه .

الحديقة الصينية بها أشجار عمرها يتجاوز ال 300 عام  . تلك رساله واضحه لترامب أن عمر شجره واحده في الصين أكبر من عمر أمريكا ، حيث يبلغ عمر الولايات المتحدة الأمريكية حوالي  250 عاماً . فقد تأسست الدولة رسمياً في 4 يوليو 1776.  

هكذا مارس اللاعب الصيني الماهر الذي يثق في إمكانياته و قدراته توصيل رسالة أن الصين الأفضل في المستقبل ، فحين يواجه لاعب ماهر  لاعب أخر  متغطرس مثل ترامب فلابد أن يقلل من قدراته أمامه ، ليعرف ترامب في النهاية مع من يلعب .

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version