في تاريخ الأمة الإسلامية مواقف تكشف أن معيار التفاضل عند الله لا يُقاس بالمناصب ولا بالألقاب، بل بصدق القلوب وخفاء الأعمال.
قصة أويس القرني
ومن أروع هذه المواقف قصة رجل لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أثنى عليه وذكره باسمه، وأوصى به كبار الصحابة، إنها قصة أويس القرني، الرجل الزاهد الذي عاش بعيدًا عن الأضواء، حتى إن أهل بلده لم يعرفوا قدره، لكن السماء عرفت مقامه.
معنى البر الحقيقي
وتكشف هذه الحكاية معنى البر الحقيقي، وقيمة الإخلاص، ولماذا كان أمير المؤمنين يبحث عنه بين الحجيج عامًا بعد عام.
وكشف الدكتور الشحات العزازي، من علماء الأزهر الشريف، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بقدوم رجل من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، يُدعى أويس بن عامر، وأوصى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلًا: «فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»، في إشارة عظيمة إلى مكانته عند الله.
البحث عن رجل من عامة الناس
وأوضح خلال برنامج «مع التابعين» على قناة الناس، أن عمر بن الخطاب ظل في كل موسم حج يسأل بين الناس: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى تعجب الصحابة من حرصه على البحث عن رجل من عامة الناس، لا يُعرف له جاه ولا منصب.
وفي أحد المواسم، وأثناء وجوده بمنى، سأل عمر عن أمداد أهل اليمن، فقيل له إن رجلًا منهم يرعى الإبل بعيدًا عن الناس، فطلب إحضاره، فإذا برجل بسيط الهيئة، يلبس الصوف، تبدو عليه علامات الزهد، قائم يصلي والإبل من حوله. وكان مع عمر آنذاك سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
سبب تخلفه عن لقاء النبي
تأكد عمر من أوصافه التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله عن أمه وبرّه بها، فأقر أويس بذلك، إذ كان سبب تخلفه عن لقاء النبي ملازمته لأمه وخدمته لها. عندها طلب منه عمر أن يدعو له، فبكى أويس تواضعًا، وقال في بعض الروايات إنه يدعو للمسلمين جميعًا ولا يخص أحدًا بدعائه.
وأشار العزازي إلى أن أويس القرني أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن برّه بأمه منعه من الهجرة إلى المدينة، فاختار رضاها على شرف اللقاء، فرفع الله قدره وأثنى عليه رسول الله. وكان من شدة زهده يفر من الشهرة، ويتصدق بما يزيد عن حاجته، ولا يقبل صدقة من أحد، حتى إذا عُرف بين الناس غادر المكان طلبًا للخمول.
بر الوالدين باب عظيم
وأكد أن القصة تحمل دروسًا عظيمة؛ أبرزها أن الإخلاص يرفع العبد ولو كان مجهولًا في الأرض، وأن بر الوالدين باب عظيم من أبواب القرب من الله، وأن المنزلة الحقيقية تُكتسب بالصدق والتجرد لا بالمظاهر. فهكذا كان أويس القرني، رجلًا خفيًا في الدنيا، عظيمًا في السماء.










